تراد للأحوال ، والأحوال تراد للعلوم ، فالأفضل العلوم ، ثم الأحوال ، ثم الأعمال ، لأن كل مراد لغيره ، فذلك الغير لا محالة أفضل منه ، وأما آحاد هذه الثلاثة ، فالأعمال قد تتساوى وقد تتفاوت إذا أضيف بعضها إلى بعض . وكذا آحاد الأحوال إذا أضيف بعضها إلى بعض وكذا آحاد المعارف . وأفضل المعارف علوم المكاشفة ، وهي أرفع من علوم المعاملة . بل علوم المعاملة دون المعاملة ، لأنها تراد للمعاملة ، ففائدتها إصلاح العمل ، وإنما فضل العالم بالمعاملة على العابد ، إذا كان علمه مما يعم نفعه ، فيكون بالإضافة إلى عمل خاص أفضل ، وإلا فالعلم القاصر بالعمل ليس بأفضل من العمل القاصر . فنقول . فائدة إصلاح العمل إصلاح حال القلب . وفائدة إصلاح حال القلب أن ينكشف له جلال الله تعالى في ذاته ، وصفاته وأفعاله . فأرفع علوم المكاشفة معرفة الله سبحانه ، وهي الغاية التي تطلب لذاتها .
فإن السعادة تنال بها . بل هي عين السعادة . ولكن قد لا يشعر القلب في الدنيا بأنها عين السعادة ، وإنما يشعر بها في الآخرة فهي المعرفة الحرة التي لا قيد عليها ، فلا تتقيد بغيرها ، وكل ما عداها من المعارف عبيد وخدم بالإضافة إليها ، فإنها إنما تراد لأجلها ، ولما كانت مرادة لأجلها كان تفاوتها بحسب نفعها في الإفضاء إلى معرفة الله تعالى ، فإن بعض المعارف يفضي إلى بعض ، إما بواسطة أو بوسائط كثيرة . فكلما كانت الوسائط بينه وبين معرفة الله تعالى أقل ، فهي أفضل . وأما الأحوال ، فنعني بها أحوال القلب في تصفيته وتطهيره عن شوائب الدنيا ، وشواغل الخلق ، حتى إذا طهر وصفا اتضح له حقيقة الحق ، فإذا فضائل الأحوال بقدر تأثيرها في إصلاح القلب ، وتطهيره ، وإعداده لأن تحصل له علوم المكاشفة . وكما أن تصقيل المرآة يحتاج إلى أن يتقدم على تمامه أحوال للمرآة ، بعضها أقرب إلى الصقالة من بعض ، فكذلك أحوال القلب . فالحالة القريبة أو المقربة من صفاء القلب هي أفضل مما دونها لا محالة بسبب القرب من المقصود . وهكذا ترتيب الأعمال ، فإن تأثيرها في تأكيد صفاء القلب وجلب الأحوال إليه . وكل عمل إما أن يجلب إليه حالة مانعة من المكاشفة ، موجبة لظلمة القلب ، جاذبة إلى زخارف الدنيا ، وإما أن يجلب إليه حالة مهيئة للمكاشفة ، موجبة لصفاء القلب وقطع علائق الدنيا عنه ، واسم الأول المعصية ، واسم الثاني الطاعة والمعاصي من حيث التأثير في ظلمة القلب وقساوته متفاوتة . وكذا الطاعات في تنوير
إحياء علوم الدين — صفحة 162
مساهمون: الغزالي
ص١٦٢