في آلام أهل النار . أما ترى أهل الدنيا ليس يشتد فرحهم بنور الشمس مع شدة حاجتهم إليها ، من حيث إنها عامة مبذولة . ولا يشتد فرحهم بالنظر إلى زينة السماء ، وهي أحسن من كل بستان لهم في الأرض يجتهدون في عمارته ، ولكن زينة السماء لما عمت لم يشعروا بها ، ولم يفرحوا بسببها : فإذا قد صح ما ذكرناه من أن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ، ولا خلق شيئا إلا وفيه نعمة ، إما على جميع عباده ، أو على بعضهم . فإذا في خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضا ، إما على المبتلى ، أو على غير المبتلى . فإذا كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق ، ولا نعمة مطلقة فيجتمع فيها على العهد وظيفتان ، الصبر والشكر جميعا . فإن قلت فهما متضادان فكيف يجتمعان ؟ إذ لا صبر إلا على غم . ولا شكر إلا على فرح . فاعلم أن الشيء الواحد قد يغتم به من وجه ، ويفرح به من وجه آخر . فيكون الصبر من حيث الاغتمام ، والشكر من حيث الفرح وفي كل فقر ، ومرض ، وخوف ، وبلاء في الدنيا خمسة أمور ، ينبغي أن يفرح العاقل بها ، ويشكر عليها . أحدها : أن كل مصيبة ومرض فيتصور أن يكون أكبر منها . إذ مقدورات الله تعالى لا تتناهى فلو ضعفها الله تعالى وزادها ما ذا كان يرده ويحجزه فليشكر . إذ لم تكن أعظم منها في الدنيا .
الثاني : أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه . قال رجل لسهل رضى الله تعالى عنه : دخل اللص بيتي وأخذ متاعي . فقال : اشكر الله تعالى . لو دخل الشيطان قلبك فأفسد التوحيد ما ذا كنت تصنع ؟ ولذلك استعاذ عيسى عليه الصلاة والسّلام في دعائه إذ قال . اللهم لا تجعل مصيبتى في ديني . وقال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه : ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علىّ فيه أربع نعم : إذ لم يكن في ديني ، وإذ لم يكن أعظم منه ، وإذ لم أحرم الرضا به وإذ أرجو الثواب عليه . وكان لبعض أرباب القلوب صديق ، فحبسه السلطان ، فأرسل إليه يعلمه ويشكو إليه ، فقال له : اشكر الله فضربه ، فأرسل إليه يعلمه ويشكو إليه ، فقال اشكر الله . فجيء بمجوسي فحبس عنده ، وكان مبطونا ، فقيد وجعل حلقة من قيده في رجله . وحلقه في رجل المجوسي : فأرسل إليه ، فقال اشكر الله . فكان المجوسي يحتاج إلى أن يقوم مرات ، وهو يحتاج أن يقوم معه ، ويقف على رأسه حتى يقضى حاجته ، فكتب إليه بذلك ، فقال اشكر الله ، فقال إلى متى هذا ؟ وأي بلاء أعظم من هذا ؟ فقال
إحياء علوم الدين — صفحة 148
مساهمون: الغزالي
ص١٤٨