تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فكيف يتصور الشكر على البلاء ؟ وكيف يشكر على ما يصبر عليه ! والصبر على البلاء يستدعى ألما ، والشكر يستدعى فرحا ، وهما يتضادان ؟ وما معنى ما ذكرتموه من أن لله تعالى في كل ما أوجده نعمة على عباده ؟ . فاعلم أن البلاء موجود ، كما أن النعمة موجودة ، والقول بإثبات النعمة ، يوجب القول بإثبات البلاء ، لأنهما متضادان . ففقد البلاء نعمة ، وفقد النعمة بلاء . ولكن قد سبق أن النعمة تنقسم إلى نعمة مطلقة من كل وجه ، أما في الآخرة فكسعادة العبد بالنزول في جوار الله تعالى ، وأما في الدنيا فكالإيمان وحسن الخلق وما يعين عليهما ، وإلى نعمة مقيدة من وجه دون وجه ، كالمال الذي يصلح الدين من وجه ويفسده من وجه . فكذلك البلاء ينقسم إلى مطلق ومقيد أما المطلق في الآخرة ، فالبعد من الله تعالى إما مدة وإما أبدا . وأما في الدنيا ، فالكفر والمعصية ، وسوء الخلق ، وهي التي تفضي إلى البلاء المطلق . وأما المقيد فكالفقر ، والمرض ، والخوف ، وسائر أنواع البلاء التي لا تكون في بلاء الدين بل في الدنيا فالشكر المطلق للنعمة المطلقة . وأما البلاء المطلق في الدنيا ، فقد لا يؤمر بالصبر عليه لأن الكفر بلاء ، ولا معنى للصبر عليه : وكذا المعصية . بل حق الكافر أن يترك كفره وكذا حق العاصي . نعم الكافر قد لا يعرف أنه كافر ، فيكون كمن به علة ، وهو لا يتألم بسبب غشية أو غيرها فلا صبر عليه ، والعاصي يعرف أنه عاص ، فعليه ترك المعصية . بل كل بلاء يقدر الإنسان على دفعه فلا يؤمر بالصبر عليه . فلو ترك الإنسان الماء مع طول العطش ، حتى عظم تألمه ، فلا يؤمر بالصبر عليه ، بل يؤمر بإزالة الألم . وإنما الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته . فإذا يرجع الصبر في الدنيا إلى ما ليس ببلاء مطلق ، بل يجوز أن يكون نعمة من وجه . فلذلك يتصور أن يجتمع عليه وظيفة الصبر والشكر . فإن الغنى مثلا يجوز أن يكون سببا لهلاك الإنسان ، حتى يقصد بسبب ماله ، فيقتل وتقتل أولاده . والصحة أيضا كذلك . فما من نعمة من هذه النعم الدنيوية إلا ويجوز أن تصير بلاء ، ولكن بالإضافة إليه . فكذلك ما من بلاء إلا ويجوز أن يصير نعمة ، ولكن بالإضافة إلى حاله . فرب عبد تكون الخيرة له في الفقر والمرض ، ولو صح بدنه وكثر ماله