تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
لو جعل الزنار الَّذي في وسطه على وسطك ما ذا كنت تصنع ؟ . فإذا ما من إنسان قد أصيب ببلاء ، إلا ولو تأمل حق التأمل في سوء أدبه ظاهرا وباطنا في حق مولاه ، لكان يرى أنه يستحق أكثر مما أصيب به عاجلا وآجلا ، ومن استحق عليك أن يضربك مائة سوط ، فاقتصر على عشرة ، فهو مستحق للشكر . ومن استحق عليك أن يقطع يديك ، فترك إحداهما ، فهو مستحق للشكر . ولذلك مر بعض الشيوخ في شارع ، فصب على رأسه طشت من رماد . فسجد لله تعالى سجدة الشكر ، فقيل له ما هذه السجدة ؟ فقال كنت أنتظر أن تصب علىّ النار ، فالاقتصار على الرماد نعمة . وقيل لبعضهم ، ألا تخرج إلى الاستسقاء فقد احتبست الأمطار ؟ فقال أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطئ الحجر . فإن قلت : كيف أفرح وأرى جماعة ممن زادت معصيتهم على معصيتي ، ولم يصابوا بما أصبت به حتى الكفار . فاعلم أن الكافر قد خبئ له ما هو أكثر . وإنما أمهل حتى يستكثر من الإثم ، ويطول عليه العقاب ، كما قال تعالى * ( إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ) * « 1 » . وأما العاصي ، فمن أين تعلم أن في العالم من هو أعصى منه ؟ ورب خاطر بسوء أدب في حق الله تعالى وفي صفاته ، أعظم وأطم من شرب الخمر والزنا وسائر المعاصي بالجوارح . ولذلك قال تعالى في مثله * ( وتَحْسَبُونَه ُ هَيِّناً وهُوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌ ) * « 2 » فمن أين تعلم أن غيرك أعصى منك ؟ ثم لعله قد أخرت عقوبته إلى الآخرة ، وعجلت عقوبتك في الدنيا . فلم لا تشكر الله تعالى على ذلك ؟ وهذا هو الوجه الثالث في الشكر ، وهو أنه ما من عقوبة إلا وكان يتصور أن تؤخر إلى الآخرة ، ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة ، فيخف وقعها . ومصيبة الآخرة تدوم . وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلى ، إذ أسباب التسلي مقطوعة بالكلية في الآخرة عن المعذبين . ومن عجلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب ثانيا ، إذ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ العبد إذا أذنب ذنبا فأصابته شدّة
شرح
[ 1 ] حديث ان العبد إذا أذنب ذنبا فأصابه شدة وبلاء في الدنيا فاللَّه أكرم من أن يعذبه ثانيا : الترمذي وابن ماجة من حديث على من أصاب في الدنيا ذنبا عوقب به فاللَّه أعدل من أن يثنى عقوبته على عبده - الحديث : لفظ ابن ماجة وقال الترمذي من أصاب حدا فعجل عقوبته في الدنيا وقال حسن وللشيخين من حديث عبادة بن الصامت ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له - الحديث :
هامش
« 1 » آل عمران : 178 « 2 » النور : 15