تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
لبطر وبغى : قال الله تعالى * ( ولَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِه ِ لَبَغَوْا في الأَرْضِ ) * « 1 » وقال تعالى * ( كَلَّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآه ُ اسْتَغْنى ) * « 2 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله ليحمى عبده المؤمن من الدّنيا وهو يحبّه كما يحمى أحدكم مريضه » وكذلك الزوجة ، والولد ، والقريب وكل ما ذكرناه في الأقسام الستة عشر من النعم ، سوى الإيمان وحسن الخلق ، فإنها يتصور أن تكون بلاء في حق بعض الناس ، فتكون أضدادها إذا نعما في حقهم ، إذ قد سبق أن المعرفة كمال ونعمة ، فإنها صفة من صفات الله تعالى ، ولكن قد تكون على العبد في بعض الأمور بلاء ، ويكون فقدها نعمة . مثاله جهل الإنسان بأجله ، فإنه نعمة عليه . إذ لو عرفه ربما تنغص عليه العيش ، وطال بذلك غمه . وكذلك جهله بما يضمره الناس عليه من معارفه وأقاربه نعمة عليه ، إذ لو رفع الستر وأطلع عليه ، لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام . وكذلك جهله بالصفات المذمومة من غيره نعمة عليه ، إذ لو عرفها أبغضه وآذاه ، وكان ذلك وبالا عليه في الدنيا والآخرة . بل جهله بالخصال المحمودة في غيره قد يكون نعمة عليه ، فإنه ربما يكون وليا لله تعالى وهو يضطر إلى إيذائه وإهانته ، ولو عرف ذلك وآذى كان إثمه لا محالة أعظم ، فليس من آذى نبيا أو وليا وهو يعرف كمن آذى وهو لا يعرف ومنها إبهام الله تعالى أمر القيامة ، وإبهامه ليلة القدر ، وساعة يوم الجمعة ، وإبهامه بعض الكبائر ، فكل ذلك نعمة ، لأن هذا الجهل يوفر دواعيك على الطلب والاجتهاد . فهذه وجوه نعم الله تعالى في الجهل فكيف في العلم . وحيث قلنا إن لله تعالى في كل موجود نعمة فهو حق وذلك مطرد في حق كل أحد ، ولا يستثنى عنه بالظن إلا الآلام التي يخلقها في بعض الناس ، وهي أيضا قد تكون نعمة في حق المتألم بها فإن لم تكن نعمة في حقه ، كالألم الحاصل من المعصية ، كقطعه يد نفسه ، ووشمه بشرته ، فإنه يتألم به وهو عاص به . وألم الكفار في النار فهو أيضا نعمة ، ولكن في حق غيرهم من العباد لا في حقهم ، لأن مصائب قوم عند قوم فوائد . ولولا أن الله تعالى خلق العذاب ، وعذب به طائفة ، لما عرف المتنعمون قدر نعمه ، ولا كثر فرحهم بها . ففرح أهل الجنة إنما يتضاعف إذا تفكروا
شرح
[ 1 ] حديث ان الله ليحمى عبده الدنيا - الحديث : الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وقد تقدم
هامش
« 1 » الشورى : 27 « 2 » العلق : 6