عن دار الغرور . ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة ، تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأسبابها ، وأنسه بها ، حتى تصير كالجنة في حقه ، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته ، وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا ، ولم يسكن إليها ، ولم يأنس بها ، وصارت سجنا عليه ، وكانت نجاته منها غاية اللذة كالخلاص من السجن . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » والكافر كل من أعرض عن الله تعالى ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ورضى بها ، واطمأن إليها . والمؤمن كل منقطع بقلبه عن الدنيا ، شديد الحنين إلى الخروج منها . والكفر بعضه ظاهر وبعضه خفى . وبقدر حب الدنيا في القلب يسرى فيه الشرك الخفي . بل الموحد المطلق هو الذي لا يحب إلا الواحد الحق . فإذا في البلاء نعم من هذا الوجه ، فيجب الفرح به . وأما التألم فهو ضروري .
وذلك يضاهي فرحك عند الحاجة إلى الحجامة بمن يتولى حجامتك مجانا ، أو يسقيك دواء نافعا بشعا مجانا . فإنك تتألم وتفرح ، فتصبر على الألم ، وتشكره على سبب الفرح . فكل بلاء في الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذي يؤلم في الحال ، وينفع في المآل . بل من دخل دار ملك للنضارة ، وعلم أنه يخرج منها لا محالة ، فرأى وجها حسنا لا يخرج معه من الدار ، كان ذلك وبالا وبلاء عليه ، لأنه يورثه الأنس بمنزل لا يمكنه المقام فيه . ولو كان عليه في المقام خطر من أن يطلع عليه الملك فيعذبه ، فأصابه ما يكرهه حتى نفره عن المقام ، كان ذلك نعمة عليه . والدنيا منزل ، وقد دخلها الناس من باب الرحم ، وهم خارجون عنها من باب اللحد ، فكل ما يحقق أنسهم بالمنزل فهو بلاء ، وكل ما يزعج قلوبهم عنها ويقطع أنسهم بها فهو نعمة . فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلايا . ومن لم يعرف هذه النعم في البلاء لم يتصور منه الشكر ، لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة . ومن لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة وحكي أن أعرابيا عزى ابن عباس على أبيه فقال :
اصبر نكن بك صابرين فإنما
صبر الرعية بعد صبر الرأس
خير من العباس أجرك بعده
والله خير منك للعباس
شرح
[ 1 ] حديث الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر : مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم