تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
تكون ما بقي الزمان ، إذ ما خلقت لذات الدنيا إلا لتجلب بها العقول الناقصة وتخدع ، حتى إذا انخدعت وتقيدت بها ، أبت عليها واستعصت . كالمرأة الجميل ظاهرها ، تتزين للشاب الشبق الغنى ، حتى إذا تقيد بها قلبه استعصت عليه واحتجبت عنه ، فلا يزال معها في تعب قائم ، وعناء دائم ، وكل ذلك باغتراره بلذة النظر إليها في لحظة . ولو عقل وغض البصر ، واستهان بتلك اللذة ، سلم جميع عمره . فهكذا وقعت أرباب الدنيا في شباك الدنيا وحبائلها . ولا ينبغي أن نقول إن المعرض عن الدنيا متألم بالصبر عنها . فإن المقبل عليها ، أيضا متألم بالصبر عليها وحفظها ، وتحصيلها ، ودفع اللصوص عنها وتألم المعرض يفضي إلى لذة في الآخرة ، وتألم المقبل يفضي إلى الألم في الآخرة . فليقرأ المعرض عن الدنيا على نفسه قوله تعالى * ( ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ من الله ما لا يَرْجُونَ ) * « 1 » ، فإذا إنما أنسد طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة والباطنة ، والخاصة والعامة . فإن قلت : فما علاج هذه القلوب الغافلة ؟ حتى تشعر بنعم الله تعالى فعساها تشكر . فأقول : أما القلوب البصيرة ، فعلاجها التأمل فيما رمزنا إليه من أصناف نعم الله تعالى العامة . وأما القلوب البليدة التي لا تعد النعمة نعمة إلا إذا خصتها ، أو شعرت بالبلاء معها فسبيله أن ينظر أبدا إلى من دونه ، ويفعل ما كان يفعله بعض الصوفية إذ كان يحضر كل يوم دار المرضى ، والمقابر ، والمواضع التي تقام فيها الحدود . فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء الله تعالى عليهم ، ثم يتأمل في صحته وسلامته ، فيشعر قلبه بنعمة الصحة عند شعوره ببلاء الأمراض ، ويشكر الله تعالى . ويشاهد الجناة الذين يقتلون ، وتقطع أطرافهم ويعذبون بأنواع العذاب ، ليشكر الله تعالى على عصمته من الجنايات ، ومن تلك العقوبات وبشكر الله تعالى على نعمة الأمن ويحضر المقابر ، فيعلم أن أحب الأشياء إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا ولو يوما واحدا ، أما من عصى الله فليتدارك ، وأما من أطاع فليزد في طاعته ، فإن يوم القيامة يوم التغابن . فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول : كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات ، فما أعظم غبنى إذ ضيعت بعض الأوقات في المباحات . وأما العاصي فغبنه ظاهر فإذا شاهد المقابر ، وعلم أن أحب الأشياء إليهم أن يكون قد بقي لهم من العمر ما بقي له ،
هامش
« 1 » النساء : 104
إحياء علوم الدين — صفحة 144 | الغزالي