نعمة أو نعما كثيرة تخصه ، لا يشاركه فيها الناس كافة ، بل يشاركه عدد يسير من الناس ، وربما لا يشاركه فيها أحد . وذلك يعترف به كل عبد في ثلاثة أمور : في العقل ، والخلق ، والعلم .
أما العقل فما من عبد لله تعالى إلا وهو راض عن الله في عقله ، يعتقد أنه أعقل الناس ، وقل من يسأل الله العقل . وإن من شرف العقل أن يفرح به الخالي عنه ، كما يفرح به المتصف به . فإذا كان اعتقاده أنه أعقل الناس ، فواجب عليه أن يشكره ، لأنه إن كان كذلك فالشكر واجب عليه ، وإن لم يكن ولكنه يعتقد أنه كذلك فهو نعمة في حقه ، فمن وضع كنزا تحت الأرض فهو يفرح به ويشكر عليه ، فإن أخذ الكنز من حيث لا يدرى فيبقى فرحه بحسب اعتقاده ، ويبقى شكره ، لأنه في حقه كالباقي . وأما الخلق فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها ، وأخلاقا يذمها ، وإنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا عنها . فإذا لم يشتغل بذم الغير فينبغي أن يشتغل بشكر الله تعالى ، إذ حسّن خلقه ، وابتلى غيره بالخلق السيئ وأما العلم ، فما من أحد إلا ويعرف من بواطن أمور نفسه ، وخفايا أفكاره .
ما هو منفرد به ، ولو كشف الغطاء حتى اطلع عليه أحد من الخلق لافتضح . فكيف لو اطلع الناس . كافة ! فأذن لكل عبد علم بأمر خاص لا يشاركه فيه أحد من عباد الله . فلم لا يشكر ستر الله الجميل الذي أرسله على وجه مساويه ، فأظهر الجميل وستر القبيح ، وأخفى ذلك عن أعين الناس ، وخصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد . فهذه ثلاثة من النعم خاصة ، يعترف بها كل عبد ، إما مطلقا ، وإما في بعض الأمور . فلننزل عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى أعم منها قليلا فنقول . ما من عبد إلا وقد رزقه الله تعالى في صورته ، أو شخصه أو أخلاقه ، أو صفاته ، أو أهله ، أو ولده ، أو مسكنه ، أو بلده ، أو رفيقه ، أو أقاربه ، أو عزه ، أو جاهه ، أو في سائر محابه أمورا لو سلب ذلك منه ، وأعطى ما خصص به غيره لكان لا يرضى به . وذلك مثل أن جعله مؤمنا لا كافرا ، وحيا لا جمادا ، وإنسانا لا بهيمة وذكرا لا أنثى ، وصحيحا لا مريضا ، وسليما لا معيبا ، فإن كل هذه خصائص ، وإن كان فيها عموم أيضا . فإن هذه الأحوال لو بدلت بأضدادها لم يرض بها . بل له أمور لا يبدلها بأحوال الآدميين أيضا . وذلك إما أن يكون بحيث لا يبدله بما خص به أحد من الخلق ، أو لا يبدله بما خص به الأكثر . فإذا كان لا يبدل حال نفسه بحال غيره ، فإذا حاله أحسن من حال
إحياء علوم الدين — صفحة 141
مساهمون: الغزالي
ص١٤١