تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
لكنت ناقصا ، إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران والحجب ، فتبصر غذاء ليس بينك وبينه حجاب وتبصر عدوّا لا حجاب بينك وبينه . وأما ما بينك وبينه حجاب فلا تبصره ، وقد لا ينكشف الحجاب إلا بعد قرب العدوّ ، فتعجز عن الهرب . فخلق لك السمع ، حتى تدرك به الأصوات من وراء الجدران والحجب عند جريان الحركات ، لأنك لا تدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا . وأما الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام ينتظم من حروف وأصوات ، تدرك بحس السمع . فاشتدت إليه حاجتك فخلق لك أذنك ، وميزت بفهم الكلام عن سائر الحيوانات . وكل ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حس الذوق ، إذ يصل الغذاء إليك ، فلا تدرك أنه موافق لك أو مخالف ، فتأكله فتهلك ، كالشجرة يصب في أصلها كل مائع ، ولا ذوق لها فتجذبه وربما يكون ذلك سبب جفافها . ثم كل ذلك لا يكفيك لو لم يخلق في مقدمة دماغك إدراك آخر ، يسمى حسا مشتركا ، تتأدى إليه هذه المحسوسات الخمس ، وتجتمع فيه . ولولاه لطال الأمر عليك . فإنك إذا أكلت شيئا أصفر مثلا ، فوجدته مرا مخالفا لك فتركته ، فإذا رأيته مرة أخرى فلا تعرف أنه مرّ مضر ما لم تذقه ثانيا ، لولا الحس المشترك . إذ العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة ، فكيف تمتنع عنه ؟ والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا ، حتى إذا أدرك الصفرة حكم بأنه مر ، فيمتنع عن تناوله ثانيا . وهذا كله تشاركك فيه الحيوانات . إذ للشاة هذه الحواس كلها ، فلو لم يكن لك إلا هذا لكنت ناقصا . فإن البهيمة يحتال عليها فتؤخذ ، فلا تدري كيف تدفع الحيلة عن نفسها . وكيف تتخلص إذا قيدت . وقد تلقى نفسها في بئر ولا تدري أن ذلك يهلكها . ولذلك قد تأكل البهيمة ما تستلذه في الحال ، ويضرها في ثاني الحال ، فتمرض وتموت ، إذ ليس لها إلا الإحساس بالحاضر . فأما إدراك العواقب فلا . فميزك الله تعالى وأكرمك بصفة أخرى هي أشرف من الكل ، وهو العقل . فبه تدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها في الحال والمآل ، وبه تدرك كيفية طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها ، فتنتفع بعقلك في الأكل الذي هو سبب صحتك ، وهو أحسن فوائد العقل ، وأقل الحكم فيه . بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى ، ومعرفة أفعاله ، ومعرفة الحكمة في عالمه . وعند ذلك تنقلب فائدة الحواس الخمس
إحياء علوم الدين — صفحة 116 | الغزالي