تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨

الطرف الثاني في أصناف النعم في خلق الإرادات

اعلم أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به الغذاء من بعد ، ولم يخلق لك ميل في الطبع وشوق إليه ، وشهوة له تستحثك على الحركة ، لكان البصر معطلا . فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له ، وقد سقطت شهوته فلا يتناوله ، فيبقى البصر والإدراك معطلا في حقه . فاضطررت إلى أن يكون لك ميل إلى ما يوافقك ، يسمى شهوة ، ونفرة عما يخالفك ، تسمى كراهة ، لتطلب بالشهوة ، وتهرب بالكراهة . فخلق الله تعالى فيك شهوة الطعام ، وسلطها عليك ، ووكلها بك ، كالمتقاضي الذي يضطرك إلى التناول ، حتى تتناول وتغتذي ، فتبقى بالغذاء . وهذا مما يشاركك فيه الحيوانات دون النبات ثم هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة ، أسرفت وأهلكت نفسك . فخلق الله لك الكراهة عند الشبع ، لتترك الأكل بها ، لا كالزرع ، فإنه لا يزال يجتذب الماء إذا انصب في أسفله حتى يفسد ، فيحتاج إلى آدمي يقدر غذاءه بقدر الحاجة ، فيسقيه مرة ويقطع عنه الماء أخرى . وكما خلقت لك هذه الشهوة حتى تأكل فيبقى به بدنك ، خلق لك شهوة الجماع ، حتى تجامع فيبقى به نسلك . ولو قصصنا عليك عجائب صنع الله تعالى في خلق الرحم ، وخلق دم الحيض ، وتأليف الجنين من المني ودم الحيض ، وكيفية خلق الأنثيين والعروق السالكة إليها من الفقار الذي هو مستقر النطفة ، وكيفية انصباب ماء المرأة من الترائب بواسطة العروق ، وكيفية انقسام مقعر الرحم إلى قوالب تقع النطفة في بعضها فتتشكل بشكل الذكور ، وتقع في بعضها فتتشكل بشكل الإناث ، وكيفية إدارتها في أطوار خلقها مضغة وعلقة ، ثم عظما ولحما ودما ، وكيفية قسمة أجزائها إلى رأس ، ويد ، ورجل وبطن ، وظهر ، وسائر الأعضاء ، لقضيت من أنواع نعم الله تعالى عليك في مبدأ خلقك كل العجب ، فضلا عما تراه الآن . ولكنا لسنا نريد أن نتعرض إلا لنعم الله تعالى في الأكل وحده كي لا يطول الكلام فإذا شهوة الطعام أحد ضروب الإرادات ، وذلك لا يكفيك ، فإنه تأتيك المهلكات من الجوانب . فلو لم يخلق فيك الغضب الذي به تدفع كل ما يضادك ولا يوافقك ، لبقيت عرضة للآفات ، ولأخذ منك كل ما حصلته من الغذاء . فإن كل واحد يشتهي ما في يديك ، فتحتاج