في حقك ، فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة ، وقد وكلت كل واحدة منها بأمر تختص به ، فواحدة منها بأخبار الألوان ، والأخرى بأخبار الأصوات ، والأخرى بأخبار الروائح ، والأخرى بأخبار الطعوم ، والأخرى بأخبار الحر ، والبرد ، والخشونة ، والملاسة ، واللين ، والصلابة ، وغيرها وهذه البرد والجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة ، ويسلمونها إلى الحس المشترك .
والحس المشترك قاعد في مقدمة الدماغ ، مثل صاحب القصص والكتب على باب الملك ، يجمع القصص والكتب الواردة من نواحي العالم فيأخذها وهي مختومة ويسلمها ، إذ ليس له إلا أخذها ، وجمعها ، وحفظها . فأما معرفة حقائق ما فيها فلا . ولكن إذا صادف القلب العاقل ، الذي هو الأمير والملك ، سلم الانها آت إليه مختومة ، فيفتشها الملك ، ويطلع منها على أسرار المملكة ، ويحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام . وبحسب ما يلوح له من الأحكام والمصالح يحرك الجنود ، وهي الأعضاء ، مرة في الطلب ، ومرة في الهرب ، ومرة في إتمام التدبيرات التي تعن له . فهذه سياقة نعمة الله عليك في الإدراكات . ولا تظنن أنا استوفيناها . فإن الحواس الظاهرة هي بعض الإدراكات والبصر واحد من جملة الحواس ، والعين آلة واحدة له ، وقد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة ، بعضها رطوبات وبعضها أغشية . وبعض الأغشية كأنها نسج العنكبوت ، وبعضها كالمشيمة . وبعض تلك الرطوبات كأنه بياض البيض ، وبعضها كأنه الجمد . ولكل واحدة من هذه الطبقات العشر صفة ، وصورة ، وشكل ، وهيئة ، وعرض ، وتدوير ، وتركيب لو اختلت طبقة واحدة من جملة العشر ، أو صفة واحدة من صفات كل طبقة ، لاختل البصر ، وعجز عنه الأطباء والكحالون كلهم فهذا في حس واحد ، فقس به حاسة السمع وسائر الحواس . بل لا يمكن أن تستوفي حكم الله تعالى وأنواع نعمه في جسم البصر وطبقاته في مجلدات كثيرة ، مع أن جملته لا تزيد على جوزة صغيرة . فكيف ظنك بجميع البدن وسائر أعضائه وعجائبه ، فهذه مرامز إلى نعم الله تعالى بخلق الإدراكات .
إحياء علوم الدين — صفحة 117
مساهمون: الغزالي
ص١١٧