الثانية : وراء هذه الهداية العامة ، وهي التي يمد الله تعالى بها العبد حالا بعد حال ، وهي ثمرة المجاهدة ، حيث قال تعالى * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * « 1 » وهو المراد بقوله تعالى * ( والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) * « 2 » .
والهداية الثالثة وراء الثانية ، وهو النور الذي يشرق في عالم النبوة والولاية بعد كمال المجاهدة ، فيهتدى بها إلى ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف وإمكان تعلم العلوم . وهو الهدى المطلق ، وما عداه حجاب له ومقدمات . وهو الذي شرفه الله تعالى بتخصيص الإضافة إليه ، وإن كان الكل من جهته تعالى ، فقال تعالى * ( قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدى ) * « 3 » وهو المسمى حياة في قوله تعالى * ( أَومن كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ وجَعَلْنا لَه ُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ ) * « 4 » والمعنيّ بقوله تعالى * ( أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَه ُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ من رَبِّه ِ ) * « 5 » . وأما الرشد ، فنعني به العناية الإلهية التي تعين الإنسان عند توجهه إلى مقاصده ، فتقويه على ما فيه صلاحه ، وتفتره عما فيه فساده . ويكون ذلك من الباطن ، كما قال تعالى * ( ولَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَه ُ من قَبْلُ وكُنَّا به عالِمِينَ ) * « 6 » فالرشد عبارة عن هداية باعثة إلى جهة السعادة ، محركة إليها . فالصبي إذا بلغ خبيرا بحفظ المال وطرق التجارة والاستنماء ، ولكنه مع ذلك يبذر ولا يريد الاستنماء ، لا يسمى رشيدا ، إلا لعدم هدايته ، بل لقصور هدايته عن تحريك داعيته فكم من شخص يقدم على ما يعلم إنه يضره ، فقد أعطى الهداية ، وميز بها عن الجاهل الذي لا يدرى أنه يضره ، ولكن ما أعطى الرشد : فالرشد بهذا الاعتبار أكمل من مجرد الهداية إلى وجوه الأعمال ، وهي نعمة عظيمة .
وأما التسديد ، فهو توجيه حركاته إلى صوب المطلوب ، وتيسرها عليه ، ليشتد في صوب الصواب في أسرع وقت . فإن الهداية بمجردها لا تكفي . بل لا بد من هداية محركة للداعية وهي الرشد . والرشد لا يكفي ، بل لا بد من تيسر الحركات بمساعدة الأعضاء والآلات حتى يتم المراد مما انبعثت الداعية إليه ، فالهداية محض التعريف ، والرشد هو تنبيه الداعية لتستيقظ وتتحرك ، والتسديد إعانة ونصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد .
هامش
« 1 » العنكبوت : 69
« 2 » محمد : 17
« 3 » البقرة : 120
« 4 » الانعام : 122
« 5 » الزمر : 22
« 6 » الأنبياء : 51