وأما التأييد ، فكأنه جامع للكل . وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من داخل وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من خارج . وهو المراد بقوله عز وجل * ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) * « 1 » وتقرب منه العصمة . وهي عبارة عن وجود إلهي بسبح في الباطن ، يقوى به الإنسان على تحرى الخير وتجنب الشر ، حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس . وإيّاه عني بقوله تعالى * ( ولَقَدْ هَمَّتْ به وهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّه ِ ) * « 2 » فهذه هي مجامع النعم ولن تتثبت إلا بما يخوله الله من الفهم الصافي الثاقب ، والسمع الواعي ، والقلب البصير المتواضع المراعى ، والمعلم الناصح ، والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته ، القاصر عما يشغل عن الدين بكثرته . والعز الذي يصونه عن سفه السفهاء وظلم الأعداء . ويستدعى كل واحد من هذه الأسباب الستة عشر أسبابا ، وتستدعى تلك الأسباب أسبابا ، إلى أن تنتهي بالآخرة إلى دليل المتحيرين ، وملجأ المضطرين ، وذلك رب الأرباب ، ومسبب الأسباب . وإذا كانت تلك الأسباب طويلة لا يحتمل مثل هذا الكتاب استقصاءها ، فلنذكر منها أنموذجا ليعلم به معنى قوله تعالى * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) * « 3 » وباللَّه التوفيق
بيان وجه الأنموذج في كثرة نعم الله تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء
اعلم أنا جمعنا النعم في ستة عشر ضربا . وجعلنا صحة البدن نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتأخرة . فهذه النعمة الواحدة لو أردنا أن نستقصى الأسباب التي بها تمت هذه النعمة لم نقدر عليها . ولكن الأكل أحد أسباب الصحة ، فلنذكر نبذة من جملة الأسباب التي بها تتم نعمة الأكل ، فلا يخفى أن الأكل فعل ، وكل فعل من هذا النوع فهو حركة ، وكل حركة لا بد لها من جسم متحرك هو آلتها ، ولا بد لها من قدرة على الحركة . ولا بد من إرادة للحركة ، ولا بد من علم بالمراد وإدراك له . ولا بد للأكل من مأكول ، ولا بد للمأكول من أصل منه يحصل ، ولا بد له من صانع يصلحه . فلنذكر أسباب الإدراك ، ثم أسباب الإرادات ، ثم أسباب القدرة ، ثم أسباب المأكول على سبيل التلويح لا على سبيل الاستقصاء
هامش
« 1 » المائدة : 110
« 2 » يوسف : 24
« 3 » إبراهيم : 34