إلى داعية في دفعه ومقاتلته ، وهي داعية الغضب الذي به تدفع كل ما يضادك ولا يوافقك ثم هذا لا يكفيك ، إذ الشهوة والغضب لا يدعوان إلا إلى ما يضر وينفع في الحال . وأما في المآل ، فلا تكفي فيه هذه الإرادة فخلق الله تعالى لك إرادة أخرى ، مسخرة تحت إشارة العقل المعرف للعواقب ، كما خلق الشهوة والغضب مسخرة تحت إدراك الحس المدرك للحالة الحاضرة ، فتم بها انتفاعك بالعقل ، إذ كان مجرد المعرفة بأن هذه الشهوة مثلا تضرك لا يغنيك في الاحتراز عنها ، ما لم يكن لك ميل إلى العمل بموجب المعرفة . وهذه الإرادة أفردت بها عن البهائم إكراما لبني آدم ، كما أفردت بمعرفة العواقب . وقد سمينا هذه الإرادة باعثا دينيا ، وفصلناه في كتاب الصبر تفصيلا أو في من هذا
الطرف الثالث في نعم الله تعالى في خلق القدرة وآلات الحركة
اعلم أن الحس لا يفيد إلا الإدراك ، والإرادة لا معنى لها إلا الميل إلى الطلب والهرب .
وهذا لا كفاية فيه ما لم تكن فيك آلة الطلب والهرب . فكم من مريض مشتاق إلى شيء بعيد عنه ، مدرك له ، ولكنه لا يمكنه أن يمشى إليه لفقد رجله ، أو لا يمكنه أن يتناوله لفقد يده ، أو لفلج وخدر فيهما . فلا بد من آلات للحركة ، وقدرة في تلك الآلات على الحركة لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا ، وبمقتضى الكراهية هربا . فلذلك خلق الله تعالى لك الأعضاء التي تنظر إلى ظاهرها ولا تعرف أسرارها . فمنها ما هو للطلب والهرب ، كالرجل للإنسان ، والجناح للطير ، والقوائم للدواب . ومنها ما هو للدفع كالأسلحة للإنسان والقرون للحيوان . وفي هذا تختلف الحيوانات اختلافا كثيرا فمنها ما يكثر أعداؤه ويبعد غذاؤه ، فيحتاج إلى سرعة الحركة ، فخلق له الجناح ليطير بسرعة . ومنها ما خلق له أربع قوائم . ومنها ماله رجلان . ومنها ما يدب . وذكر ذلك يطول . فلنذكر الأعضاء التي بها يتم الأكل فقط ، ليقاس عليها غيرها فنقول . رؤيتك الطعام من بعد ، وحركتك إليه لا تكفي ، ما لم تتمكن من أن تأخذه . فافتقرت إلى آلة باطشة ، فأنعم الله تعالى عليك بخلق اليدين ، وهما طويلتان ممتدتان إلى الأشياء ، ومشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات ، فتمتد وتنثني إليك فلا تكون كخشبة منصوبة . ثم جعل رأس اليد عريضا
إحياء علوم الدين — صفحة 119
مساهمون: الغزالي
ص١١٩