تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥

الطرف الأول في نعم الله تعالى في خلق أسباب الإدراك

اعلم أن الله تعالى خلق النبات ، وهو أكمل وجودا من الحجر ، والمدر ، والحديد ، والنحاس ، وسائر الجواهر التي لا تنمى ولا تغذى ، فإن النبات خلق فيه قوة بها يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي في الأرض ، وهي له آلات فيها يجتذب الغذاء ، وهي العروق الدقيقة التي تراها في كل ورقة ، ثم تغلظ أصولها ، ثم تتشعب ، ولا تزال تستدق وتتشعب إلى عروق شعرية تنبسط في أجزاء الورقة ، حتى تغيب عن البصر ، إلا أن النبات مع هذا الكمال ناقص ، فإنه إذا أعوزه غداء يساق إليه ، ويماس أصله ، جف ويبس ، ولم يمكنه طلب الغذاء من موضع آخر . فإن الطلب إنما يكون بمعرفة المطلوب ، وبالانتقال إليه . والنبات عاجز عن ذلك . فمن نعمة الله تعالى عليك ، أن خلق لك آلات الإحساس ، وآلة الحركة في طلب الغذاء . فانظر إلى ترتيب حكمة الله تعالى في خلق الحواس الخمس ، التي هي آلة الإدراك . فأولها : حاسة اللمس . وإنما خلقت لك حتى إذا مستك نار محرقة ، أو سيف جارح ، تحس به فتهرب منه . وهذا أول حس يخلق للحيوان . ولا يتصور حيوان إلا ويكون له هذا الحس ، لأنه إن لم يحس أصلا فليس بحيوان . وأنقص درجات الحس أن يحس بما لا يلاصقه ويماسه . فإن الإحساس بما يبعد منه إحساس أتم لا محالة . وهذا الحس موجود لكل حيوان ، حتى الدودة التي في الطين ، فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات . فإن النبات يقطع فلا ينقبض ، إذ لا يحس بالقطع . إلا أنك لو لم يخلق لك إلا هذا الحس لكنت ناقصا كالدودة ، لا تقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك . بل ما يمس بدنك فتحس به فتجذبه إلى نفسك فقط . فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك . فخلق لك الشم . إلا أنك تدرك به الرائحة ، ولا تدري أنها جاءت من أي ناحية . فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب ، فربما تعثر على الغذاء الذي شممت ريحه ، وربما لم تعثر فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق لك إلا هذا . فخلق لك البصر ، لتدرك به ما بعد عنك ، وتدرك جهته ، فتقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا
إحياء علوم الدين — صفحة 115 | الغزالي