تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ، فخصص بمن مال إلى الباطل عن الحق وكذا الارتداد ولا خفاء بالحاجة إلى التوفيق . ولذلك قيل
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
فأما الهداية فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلا بها لأن داعية الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته ، ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتى يظن الفساد صلاحا ، فمن أين ينفعه مجرد الإرادة ؟ فلا فائدة في الإرادة ، والقدرة ، والأسباب ، إلا بعد الهداية . ولذلك قال تعالى * ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ ثُمَّ هَدى ) * « 1 » وقال تعالى * ( ولَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُه ُ ما زَكى مِنْكُمْ من أَحَدٍ أَبَداً ولكِنَّ الله يُزَكِّي من يَشاءُ ) * « 2 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما من أحد يدخل الجنّة إلَّا برحمة الله تعالى » أي بهدايته فقيل ولا أنت يا رسول الله ؟ قال « ولا أنا » . والهداية ثلاث منازل الأولى : معرفة طريق الخير والشر ، المشار إليه بقوله تعالى * ( وهَدَيْناه ُ النَّجْدَيْنِ ) * « 3 » وقد أنعم الله تعالى به على كافة عباده ، بعضه بالعقل ، وبعضه على لسان الرسل . ولذلك قال تعالى * ( وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) * « 4 » فأسباب الهدى هي الكتب ، والرسل وبصائر العقول . وهي مبذولة . ولا يمنع منها إلا الحسد ، والكبر ، وحب الدنيا ، والأسباب التي تعمى القلوب وإن كانت لا تعمى الأبصار . قال تعالى * ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ) * « 5 » . ومن جملة المعميات الإلف والعادة ، وحب استصحابهما وعنه العبارة بقوله تعالى * ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) * « 6 » الآية وعن الكبر والحسد العبارة بقوله تعالى * ( وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ من الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * « 7 » وقوله تعالى * ( أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُه ُ ) * « 8 » فهذه المعميات هي التي منعت الاهتداء والهداية
شرح
[ 1 ] حديث ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله : متفق عليه من حديث أبي هريرة لن يدخل أحدكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا لا أن يتغمدني : الله بفضل منه ورحمة وفي رواية لمسلم ما من أحد يدخله عمله الجنة - الحديث : واتققا عليه من حديث عائشة وانفرد به مسلم من حديث جابر وقد تقدم
هامش
« 1 » طه : 50 « 2 » النور : 21 « 3 » البلد : 10 « 4 » فصلت : 17 « 5 » الحج : 46 « 6 » الزخرف : 22 « 7 » الزخرف : 31 « 8 » القمر : 24
إحياء علوم الدين — صفحة 112 | الغزالي