لأن الناس أكثرهم جهال بطريق الرقية لحية المال ، وطريق الغوص في بحر الجاه ، فوجب تحذيرهم ، فإنهم يهلكون بسم المال قبل الوصول إلى ترياقه ، ويهلكهم تمساح بحر الجاه قبل العثور على جواهره . ولو كانا في أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد ، لما تصور أن ينضاف إلى النبوة الملك ، كما كان لرسولنا صلَّى الله عليه وسلم ، ولا أن ينضاف إليها الغنى ، كما كان لسليمان عليه السّلام .
فالناس كلهم صبيان ، والأموال حيات ، والأنبياء والعارفون معزمون . فقد يضر الصبي ما لا يضر المعزم . نعم المعزم لو كان له ولد يريد بقاءه وصلاحه ، وقد وجد حية ، وعلم أنه أو أخذها لأجل ترياقها لاقتدى به ولده ، وأخذ الحية إذا رآها ليلعب بها فيهلك ، فله غرض في الترياق ، وله غرض في حفظ الولد . فواجب عليه أن يزن غرضه في الترياق بغرضه في حفظ الولد . فإذا كان يقدر على الصبر عن الترياق ، ولا يستضر به ضررا كثيرا ، ولو أخذها لأخذها الصبي ، ويعظم ضرره بهلاكه ، فواجب عليه أن يهرب عن الحية إذا رآها ، ويشير على الصبي بالهرب ، ويقبح صورتها في عينه ، ويعرفه أن فيها سما قاتلا لا ينجو منه أحد ولا يحدثه أصلا بما فيها من نفع الترياق ، فإن ذلك ربما يغره فيقدم عليه من غير تمام المعرفة . وكذلك الغواص ، إذا علم أنه لو غاص في البحر بمرأى من ولده لا تبعه وهلك ، فواجب عليه أن يحذر الصبي ساحل البحر والنهر . فإن كان لا ينزجر الصبي بمجرد الزجر مهما رأى والده يحوم حول الساحل ، فواجب عليه أن يبعد من الساحل مع الصبي ، ولا يقرب منه بين يديه . فكذلك الأمة في حجر الأنبياء عليهم السّلام كالصبيان الأغبياء ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما أنا لكم مثل الوالد لولده » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّكم تتهافتون على النّار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم » وحظهم الأوفر في حفظ أولادهم عن المهالك ، فإنهم لم يبعثوا إلا لذلك . وليس لهم في المال حظ إلا بقدر القوت ، فلا جرم اقتصروا على قدر القوت . وما فضل فلم يمسكوه ، بل أنفقوه . فإن
شرح
[ 1 ] حديث إنما أنا لكم مثل الوالد لولده : مسلم من حديث أبي هريرة دون قوله لولده وقد تقدم
[ 2 ] حديث إنكم تتهافتون على النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم : متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ مثلي ومثل الناس وقال مسلم ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه ولمسلم من حديث جابر وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي