درجات المصلين فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة . وقال تعالى ممتنا بذلك * ( وزادَه ُ بَسْطَةً في الْعِلْمِ والْجِسْمِ ) * « 1 » ولسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة ، فإن ذلك أنوثة . وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة ، مع الاعتدال في اللحم ، وتناسب الأعضاء ، وتناصف خلقة الوجه ، بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه . فإن قلت فقد أدخلت المال ، والجاه ، والنسب والأهل ، والولد في حيز النعم ، وقد ذم الله تعالى المال والجاه ، وكذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] ، وكذا العلماء ، قال تعالى * ( إِنَّ من أَزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) * « 2 » وقال عز وجل * ( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) * « 3 » وقال علي كرم الله وجهه في ذم النسب : الناس أبناء ما يحسنون ، وقيمة كل امرئ ما يحسنه . وقيل . المرء بنفسه لا بأبيه . فما معنى كونها نعمة مع كونها مذمومة شرعا . فاعلم أن من يأخذ العلم من الألفاظ المنقولة المؤولة ، والعمومات المخصصة ، كان الضلال عليه أغلب ، ما لم يهتد بنور الله تعالى إلى إدراك العلوم على ما هي عليه ، ثم ينزل النقل على وفق ما ظهر له منها ، بالتأويل مرة ، وبالتخصيص أخرى . فهذه نعم معينة على أمر الآخرة لا سبيل إلى جحدها . إلا أن فيها فتنا ومخاوف . فمثال المال مثال الحية التي فيها ترياق نافع ، وسم نافع . فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سمها ، وطريق استخراج ترياقها النافع ، كانت نعمة . وإن أصابها السوادي الغر ، فهي عليه بلاء وهلاك . وهو مثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلئ ، فمن ظفر بالبحر ، فإن كان عالما بالسباحة ، وطريق الغوص ، وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر ، فقد ظفر بنعمه . وإن خاضه جاهلا بذلك ، فقد هلك . فلذلك مدح الله تعالى المال وسماه خيرا . ومدحه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وقال « نعم العون على تقوى الله تعالى المال » وكذلك مدح الجاه والعز ، إذ من الله تعالى على رسوله صلَّى الله عليه وسلم بأن أظهره على الدين كله ، وحببه في قلوب الخلق ، وهو المعنيّ بالجاه . ولكن المنقول في مدحهما قليل ، والمنقول في ذم المال والجاه كثير . وحيث ذم الرياء فهو ذم الجاه إذ الرياء مقصوده اجتلاب القلوب ، ومعنى الجاه ملك القلوب . وإنما كثر هذا وقل ذاك
شرح
[ 1 ] حديث ذم المال والجاه : الترمذي من حديث كعب بن مالك ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حب المال والشرف لدينه : وقد تقدم في ذم المال والبخل
هامش
« 1 » البقرة : 247
« 2 » التغابن : 4
« 3 » التغابن : 15