وعفة ، وعدالة . ولا يتم هذا في غالب الأمر إلا بالنوع الثاني . وهو الفضائل البدنية ، وهي أربعة . الصحة ، والقوة ، والجمال ، وطول العمر . ولا تتهيأ هذه الأمور الأربعة إلا بالنوع الثالث ، وهي النعم الخارجة المطيفة بالبدن ، وهي أربعة : المال ، والأهل ، والجاه ، وكرم العشيرة . ولا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة والبدنية إلا بالنوع الرابع ، وهي الأسباب التي تجمع بينها وبين ما يناسب الفضائل النفسية الداخلة ، وهي أربعة : هداية الله ، ورشده ، وتسديده ، وتأييده . فمجموع هذه النعم ستة عشر ، إذ قسمناها إلى أربعة ، وقسمنا كل واحدة من الأربعة إلى أربعة . وهذه الجملة يحتاج البعض منها إلى البعض ، إما حاجة ضرورية ، أو نافعة . أما الحاجة الضرورية فكحاجة سعادة الآخرة إلى الإيمان وحسن الخلق ، إذ لا سبيل إلى الوصول إلى سعادة الآخرة البتة إلا بهما ، فليس للإنسان إلا ما سعى ، وليس لأحد في الآخرة إلا ما تزود من الدنيا . فكذلك حاجة الفضائل النفسية تكسب هذه العلوم ، وتهذيب الأخلاق إلى صحة البدن ضروري . وأما الحاجة النافعة على الجملة ، فكحاجة هذه النعم النفسية والبدنية إلى النعم الخارجة ، مثل المال ، والعز ، والأهل فإن ذلك لو عدم ربما تطرق الخلل إلى بعض النعم الداخلة . فإن قلت : فما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة من المال ، والأهل ، والجاه والعشيرة ؟ فاعلم أن هذه الأسباب جارية مجرى الجناح المبلغ ، والآلة المسهلة للمقصود . أما المال ، فالفقير في طلب العلم والكمال وليس له كفاية ، كساع إلى الهيجاء بغير سلاح ، وكبازى يروم الصيد بلا جناح ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] ( نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح ) وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « نعم العون على تقوى الله المال » وكيف لا . ومن عدم المال صار مستغرق الأوقات في طلب الأقوات ، وفي تهيئة اللباس ، والمسكن ، وضرورات المعيشة ثم يتعرض لأنواع من الأذى تشغله عن الذكر والفكر ، ولا تندفع إلا بسلاح المال .
شرح
[ 1 ] حديث نعم المال الصالح للرجل الصالح : أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث عمرو بن العاص بسند جيد
[ 2 ] حديث نعم العون على تقوى الله المال : أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من رواية محمد بن المنكدر عن جابر ورواه أبو القاسم البغوي من رواية ابن المنكدر مرسلا ومن طريقه رواه القضاعي في مسند الشهاب هكذا مرسلا