العهد طولا ، وتزداد مثل هذه القلوب قلة ، إلى أن تقرب الساعة ، ويقضى الله أمرا كان مفعولا . وإنما وجب أن يكون هذا نادرا لأنه مبادى ملك الآخرة ، والملك عزيز ، والملوك لا يكثرون ، فكما لا يكون الفائق في الملك والجمال إلا نادرا ، وأكثر الناس من دونهم ، فكذا في ملك الآخرة ، فإن الدنيا مرآة الآخرة ، فإنها عبارة عن عالم الشهادة ، والآخر عبارة عن عالم الغيب ، وعالم الشهادة تابع لعالم الغيب ، كما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة ، والصورة في المرآة وإن كانت هي الثانية في رتبة الوجود ، فإنها أولى في حق رؤيتك . فإنك لا ترى نفسك ، وترى صورتك في المرآة أولا ، فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة . فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة ، وانقلب المتأخر متقدما . وهذا نوع من الانعكاس . ولكن الانعكاس والانتكاس ضرورة هذا العالم . فكذلك عالم الملك والشهادة محاك لعالم الغيب والملكوت . فمن الناس من يسّر له نظر الاعتبار ، فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت ، فيسمى عبوره عبرة ، وقد أمر الحق به فقال * ( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ ) * « 1 » . ومنهم من عميت بصيرته فلم يعتبر ، فاحتبس في عالم الملك والشهادة ، وسينفتح إلى حبسه أبواب جهنم . وهذا الحبس مملوء نارا من شأنها أن تطلع على الأفئدة ، إلا أن بينه وبين إدراك ألمها حجابا . فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك . وعن هذا أظهر الله تعالى الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق ، فقالوا . الجنة والنار مخلوقتان ، ولكن الجحيم تدرك مرة بإدراك يسمى علم اليقين ، ومرة بإدراك آخر يسمى عين اليقين . وعين اليقين لا يكون إلا في الآخرة ، وعلم اليقين قد يكون في الدنيا ، ولكن للذين قد وفوا حظهم من نور اليقين . فلذلك قال الله تعالى * ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) * « 2 » أي في الدنيا * ( ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ) * « 3 » أي في الآخرة ، فإذا قد ظهر أن القلب الصالح لملك الآخرة ، لا يكون إلا عزيزا كالشخص الصالح لملك الدنيا . قسمة سادسة : حاوية لمجامع النعم . اعلم أن النعم تنقسم إلى ما هي غاية مطلوبة لذاتها ، وإلى ما هي مطلوبة لأجل الغاية . أما الغاية فإنها سعادة الآخرة ، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور : بقاء لا فناء له ، وسرور لا غم فيه ، وعلم لا جهل معه ، وغنى لا فقر بعده ، وهي النعمة
هامش
« 1 » الحشر : 2
« 2 » التكاثر : 5
« 3 » التكاثر : 7