الحقيقة . ولذلك قال رسول صلَّى الله عليه وسلم « لا عيش إلَّا عيش الآخرة » وقال ذلك مرة في الشدة تسلية للنفس ، وذلك في وقت [ 1 ] حفر الخندق في شدة الضر . وقال ذلك مرة في السرور منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا ، وذلك ، عند إحداق الناس به [ 2 ] في حجة الوداع . وقال رجل : [ 3 ] اللهم إني أسألك تمام النعمة . فقال النبي صلَّى الله عليه وسلم « وهل تعلم ما تمام النّعمة ؟ » قال لا . قال « تمام النّعمة دخول الجنّة » وأما الوسائل فتنقسم إلى الأقرب الأخص كفضائل النفس وإلى ما يليه في القرب كفضائل البدن ، وهو الثاني ، وإلى ما يليه في القرب ويجاوز إلى غير البدن ، كالأسباب المطيفة بالبدن من المال ، والأهل والعشيرة وإلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس وبين الحاصلة للنفس كالتوفيق والهداية . فهي إذا أربعة أنواع النوع الأوّل : وهو الأخص . الفضائل النفسية . ويرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الإيمان وحسن الخلق وينقسم الإيمان إلى علم المكاشفة ، وهو العلم باللَّه تعالى ، وصفاته وملائكته ، ورسله ، وإلى علوم المعاملة . وحسن الخلق ينقسم إلى قسمين : ترك مقتضى الشهوات والغضب ، واسمه العفة ، ومراعاة العدل في الكف عن مقتضى الشهوات والإقدام حتى لا يمتنع أصلا ، ولا يقدم كيف شاء ، بل يكون إقدامه وإحجامه بالميزان العدل الذي أنزله الله تعالى على لسان رسوله صلَّى الله عليه وسلم ، إذ قال تعالى * ( أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزانِ وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ) * « 1 » فمن خصى نفسه ليزيل شهوة النكاح أو ترك النكاح مع القدرة والأمن من الآفات ، أو ترك الأكل حتى ضعف عن العبادة والذكر والفكر ، فقد أخسر الميزان . ومن انهمك في شهوة البطن والفرج ، فقد طغى في الميزان . وإنما العدل أن يخلو وزنه وتقديره عن الطغيان والخسران ، فتعتدل به كفتا الميزان فإذا الفضائل الخاصة بالنفس المقربة إلى الله تعالى أربعة . علم مكاشفة ، وعلم معاملة ،
شرح
[ 1 ] حديث قوله عند حفر الخندق لا عيش الا عيش الآخرة : متفق عليه من حديث أنس
[ 2 ] حديث قوله في حجة الوداع لا عيش الا عيش الآخرة : الشافعي مرسلا والحاكم متصلا وصححه وتقدم في الحج
[ 3 ] حديث قال رجل اللهم أنى أسألك تمام النعمة - الحديث الترمذي من حديث معاذ بسند حسن
هامش
« 1 » الرحمن : 7 ، 9