تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
حياة باطنة . وكل حي بالبدن ميت بالقلب فهو عند الله من الموتى ، وإن كان عند الجهال من الأحياء . ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين ، وإن كانوا موتى بالأبدان الثانية : لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات ، كلذة الرئاسة والغلبة والاستيلاء وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض الحيوانات . الثالثة : ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن والفرج ، وهذه أكثرها وجودا ، وهي أخسها ، ولذلك اشترك فيها كل ما دب ودرج ، حتى الديدان والحشرات . ومن جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة ، وهو أشدها التصاقا ، بالمتغافلين . فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة ، فصار أغلب اللذات عليه لذة العلم والحكمة ، لا سيما لذة معرفة الله تعالى ، ومعرفة صفاته وأفعاله . وهذه رتبة الصديقين ، ولا ينال تمامها إلا بخروج استيلاء حب الرئاسة من القلب . وآخر ما يخرج من رؤس الصديقين حب الرئاسة . وأما شره البطن والفرج فكسره مما يقوى عليه الصالحون . وشهوة الرئاسة لا يقوى على كسرها إلا الصديقون . فأما قمعها بالكلية حتى لا يقع بها الإحساس على الدوام وفي اختلاف الأحوال ، فيشبه أن يكون خارجا عن مقدور البشر ، نعم تغلب لذة معرفة الله تعالى في أحوال لا يقع معها الإحساس بلذة الرئاسة والغلبة ولكن ذلك لا يدوم طول العمر ، بل تعتريه الفترات ، فتعود إليه الصفات البشرية ، فتكون موجودة ولكن تكون مقهورة لا تقوى على حمل النفس على العدول عن العدل وعند هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام . قلب لا يحب إلا الله تعالى ، ولا يستريح إلا بزيادة المعرفة به والفكر فيه ، وقلب لا يدرى ما لذة المعرفة ، وما معنى الأنس باللَّه ، وإنما لذته بالجاه ، والرئاسة . والمال ، وسائر الشهوات البدنية ، وقلب أغلب أحواله الأنس باللَّه سبحانه ، والتلذذ بمعرفته والفكر فيه ، ولكن قد يعتريه في بعض الأحوال الرجوع إلى أوصاف البشرية ، وقلب أغلب أحواله التلذذ بالصفات البشرية ، ويعتريه في بعض الأحوال تلذذ بالعلم والمعرفة . أما الأول فإن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية البعد . وأما الثاني : فالدنيا طافحة به . وأما الثالث والرابع : فموجودان ، ولكن على غاية الندور . ولا يتصور أن يكون ذلك إلا نادرا شاذا . وهو مع الندور يتفاوت في القلة والكثرة إنما تكون كثرته في الأعصار القريبة من أعصار الأنبياء عليهم السّلام . فلا يزال يزداد