تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وأما القضاء : فهو وإن كان دون الخلافة والإمارة ، فهو في معناهما . فإن كل ذي ولاية أمير . أي له أمر نافذ . والإمارة محبوبة بالطبع . والثواب في القضاء عظيم مع اتباع الحق والعقاب فيه أيضا عظيم مع العدول عن الحق . وقد قال النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « القضاة ثلاثة قاضيان في النّار وقاض في الجنّة » وقال عليه السلام [ 2 ] « من استقضى فقد ذبح بغير سكَّين » فحكمه حكم الإمارة ، ينبغي أن يتركه الضعفاء ، وكل من الدنيا ولذاتها وزن في عينه . وليتقلده الأقوياء ، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم . ومهما كان السلاطين ظلمة ، ولم يقدر القاضي على القضاء إلا بمداهنتهم ، وإهمال بعض الحقوق لأجلهم ، ولأجل المتعلقين بهم ، إذ يعلم أنه لو حكم عليهم بالحق لعزلوه ، أو لم يطيعوه . فليس له أن يتقلد القضاء . وإن تقلده فعليه أن يطالبهم بالحقوق ، ولا يكون خوف العزل عذرا مرخصا له في الإهمال أصلا بل إذا عزل سقطت العهدة عنه ، فينبغي أن يفرح بالعزل إن كان يقضى لله . فإن لم تسمح نفسه بذلك ، فهو إذا يقضى لاتباع الهوى والشيطان ، فكيف يرتقب عليه ثوابا ، وهو مع الظلمة في الدرك الأسفل من النار ؟ . وأما الوعظ ، والفتوى ، والتدريس ، ورواية الحديث ، وجمع الأسانيد العالية ، وكل ما يتسع بسببه الجاه ، ويعظم به القدر ، فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الولايات . وقد كان الخائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلا ، وكانوا يقولون حدثنا باب من أبواب الدنيا . ومن قال حدثنا فقد قال أوسعوا لي ودفن بشر كذا وكذا قمطر من الحديث ، وقال يمنعني من الحديث أنى أشتهي أن أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت والواعظ يجد في وعظه وتأثر قلوب الناس به ، وتلاحق بكائهم ، وزعقاتهم ، وإقبالهم عليه ، لذة لا توازيها لذة . فإذا غلب ذلك على قلبه ، مال طبعه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام ، وإن كان باطلا . ويفر عن كل كلام يستثقله العوام ، وإن كان حقا . ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام ، ويعظم منزلته في قلوبهم . فلا يسمع حديثا وحكمة إلا ويكون فرحه به من حيث إنه يصلح لأن يذكره على رأس المنبر . وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث إنه عرف طريق السعادة ، وطريق سلوك سبيل الدين ، ليعمل به أولا
شرح
[ 1 ] حديث القضاة ثلاثة - الحديث : أصحاب السنن من حديث بريدة وتقدم في العلم وإسناده صحيح [ 2 ] حديث من استقضى فقد ذبح بغير سكين : أصحاب السنن من حديث أبي هريرة بلفظ من جعل قاضيا وفي رواية من ولى القضاء وإسناده صحيح