تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
ثم يقول : إذا أنعم الله علىّ بهذه النعمة ، ونفعني بهذه الحكمة ، فأفصّها ليشاركنى في نفعها إخواني المسلمون . فهذا أيضا مما يعظم فيه الخوف والفتنة ، فحكمه حكم الولايات . فمن لا باعث له إلا طلب الجاه والمنزلة ، والأكل بالدين ، والتفاخر والتكاثر ، فينبغي أن يتركه ويخالف الهوى فيه . إلى أن ترتاض نفسه ، وتقوى في الدين همته ، ويأمن على نفسه الفتنة . فعند ذلك يعود إليه فإن قلت : مهما حكم بذلك على أهل العلم تعطلت العلوم واندرست ، وعم الجهل كافة الخلق فنقول : قد نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] عن طلب الإمارة ، وتوعد عليها ، حتى قال [ 2 ] « إنّكم تحرصون على الإمارة وإنّها حسرة وندامة يوم القيامة إلَّا من أخذها بحقّها » وقال [ 3 ] « نعمت المرضعة وبئست الفاطمة » ومعلوم أن السلطنة والإمارة لو تعطلت لبطل الدين والدنيا جميعا ، وثار القتال بين الخلق ، وزال الأمن ، وخربت البلاد وتعطلت المعايش فلم نهى عنها مع ذلك ؟ وضرب عمر رضي الله عنه أبيّ بن كعب حين رأى قوما يتبعونه ، وهو في ذلك يقول أبيّ سيد المسلمين ، وكان يقرأ عليه القرءان ، فمنع من أن يتبعوه وقال : ذلك فتنة على المتبوع ، ومذلة على التابع . وعمر كان بنفسه يخطب ويعظ ولا يمتنع منه واستأذن رجل عمر أن يعظ الناس إذا فرغ من صلاة الصبح ، فمنعه . فقال أتمنعني من نصح الناس ؟ فقال أخشى أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا ، إذ رأى فيه مخايل الرغبة في جاه الوعظ وقبول الخلق . والقضاء والخلافة مما يحتاج الناس إليه في دينهم ، كالوعظ والتدريس والفتوى . وفي كل واحد منهما فتنة ولذة ، فلا فرق بينهما فأما قول القائل نهيك عن ذلك يؤدى إلى اندراس العلم ، فهو غلط . إذ نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] عن القضاء لم يؤد إلى تعطيل القضاء . بل الرئاسة وحبها يضطر الخلق
شرح
[ 1 ] حديث النهى عن طلب الامارة : وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة لا تسل الامارة وقد تقدم قبله بثلاثة أحاديث [ 2 ] حديث انكم تحرصون على الامارة وانها حسرة يوم القيامة وندامة الا من أخذها بحقها : البخاري من حديث أبي هريرة دون قوله إلا من أخذها بحقها وزاد في آخره فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة ودون قوله حسرة وهي في صحيح ابن حبان [ 3 ] حديث نعمت المرضعة وبئست الفاطمة : البخاري من حديث أبي هريرة وهو بقية الحديث الذي قبله ورواه ابن حبان بلفظ فبئست المرضعة وبئست الفاطمة [ 4 ] حديث النهى عن القضاء : مسلم من حديث أبي ذر لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم
إحياء علوم الدين — صفحة 164 | الغزالي