تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
إلى طلبها . وكذلك حب الرئاسة لا يترك العلوم تندرس . بل لو حبس الخلق وقيدوا بالسلاسل والأغلال من طلب العلوم التي فيها القبول والرئاسة ، لأفلتوا من الحبس وقطعوا السلاسل وطلبوها . وقد وعد الله أن يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم . فلا تشغل قلبك بأمر الناس ، فإن الله لا يضيعهم . وانظر لنفسك . ثم إني أقول مع هذا إذا كان في البلد جماعة يقومون بالوعظ مثلا ، فليس في النهى عنه إلا امتناع بعضهم . وإلا فيعلم أن كلهم لا يمتنعون ، ولا يتركون لذة الرئاسة . فإن لم يكن في البلد إلا واحد ، وكان وعظه نافعا للناس من حيث حسن كلامه . وحسن سمته في الظاهر ، وتخييله إلى العوام أنه إنما يريد الله بوعظه وأنه تارك للدنيا ومعرض عنها ، فلا نمنعه منه ، ونقول له اشتغل وجاهد نفسك . فإن قال لست أقدر على نفسي ، فنقول اشتغل وجاهد ، لأنا نعلم أنه لو ترك ذلك لهلك الناس كلهم إذ لا قائم به غيره . ولو واظب وغرضه الجاه . فهو الهالك وحده . وسلامة دين الجميع أحب عندنا من سلامة دينه وحده ، فنجعله فداء للقوم ، ونقول لعل هذا هو الذي قال فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم » ثم الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة ، ويزهد في الدنيا بكلامه ، وبظاهر سيرته . فأما ما أحدثه الوعاظ في هذه الأعصار ، من الكلمات المزخرفة ، والألفاظ المسجعة المقرونة بالأشعار ، مما ليس فيه تعظيم لأمر الدين ، وتخويف للمسلمين ، بل فيه الترجية والتجرئة على المعاصي بطيرات النكت ، فيجب إخلاء البلاد منهم ، فإنهم نواب الدجال وخلفاء الشيطان وإنما كلامنا في واعظ حسن الوعظ ، جميل الظاهر ، يبطن في نفسه حب القبول ولا يقصد غيره . وفيما أوردناه في كتاب العلم من الوعيد الوارد في حق علماء السوء ، ما يبين لزوم الحذر من فتن العلم وغوائله . ولهذا قال المسيح عليه السّلام : يا علماء السوء ، تصومون وتصلون ، وتتصدقون ، ولا تفعلون ما تأمرون ، وتدرسون ما لا تعملون ، فيا سوء ما تحكمون تتوبون بالقول والأماني ، وتعملون بالهوى ، وما يغنى عنكم أن تنقوا جلودكم ، وقلوبكم دنسة . بحق أقول لكم ، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويبقى فيه النخالة
شرح
[ 1 ] حديث ان الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم : النسائي وقد تقدم قريبا
إحياء علوم الدين — صفحة 165 | الغزالي