ومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى الله من قلبك ، وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ، ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة ، وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات ، وساعدته اللذات ، ولكن في بدنه سقم ، وهو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات . وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته ، عاش ودام ملكه . فلما عرف ذلك جالس الأطباء ، وحارف الصيادلة ، وعود نفسه شرب الأدوية المرة ، وصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات ، وصبر على مفارقتها . فبدنه كل يوم يزداد نحو لا لقلة أكله ، ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه . فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالى الأوجاع والآلام عليه ، وأداء ذلك إلى الموت المفرق بينه وبين مملكته ، الموجب لشماتة الأعداء به . ومهما اشتد عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء ، الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه ، في عيش هنيء ، وبدن صحيح ، وقلب رخى ، وأمر نافذ ، فيخف عليه مهاجرة اللذات ، ومصابرة المكروهات . فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة . احتمى عن كل مهلك له في آخرته ، وهي لذات الدنيا وزهرتها ، فاجتزى منها بالقليل ، واختار النحول والذبول ، والوحشة ، والحزن ، والخوف ، وترك المؤانسة بالخلق ، خوفا من أن يحل عليه غضب من الله فيهلك ، ورجاء أن ينجو من عذابه . فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه ، وإيمانه بعاقبة أمره ، وبما أعدّ له من النعيم المقيم في رضوان الله أبد الآباد . ثم علم أن الله كريم رحيم ، لم يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا ، وبهم رؤوفا ، وعليهم عطوفا . ولو شاء لأغناهم عن التعب ، ولكن أراد أن يبلوهم ، ويعرف صدق إرادتهم ، حكمة منه وعدلا ثم إذا تحمل التعب في بدايته ، أقبل الله عليه بالمعونة والتيسير وحط عنه الأعياء ، وسهل عليه الصبر ، وحبب إليه الطاعة ، ورزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات ويقويه على إماتة الشهوات ، ويتولى سياسته وتقويته ، وأمده بمعونته . فإن الكريم لا يضيع سعى الراجي ، ولا يخيب أمل المحب ، وهو الذي يقول . من تقرب إلىّ شبرا تقربت إليه ذارعا : ويقول تعالى . لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وإني إلى لقائهم أشد شوقا . فليظهر العبد في البداية جده وصدقه وإخلاصه ، فلا يعوزه من الله تعالى على القرب ما هو اللائق ، بجوده ، وكرمه ، ورأفته ، ورحمته . تم كتاب ذم الجاه والرياء ، والحمد لله وحده
إحياء علوم الدين — صفحة 179
مساهمون: الغزالي
ص١٧٩