ألم تقل لي لا تأمر على اثنين ، وأنت قد وليت أمر أمة محمد صلَّى الله عليه وسلم ؟ فقال بلى وأنا أقول لك ذلك ، فمن لم يعدل فيها فعليه بهلة الله . يعنى لعنة الله . ولعل القليل البصيرة يرى ما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهى عنها متناقضا ، وليس كذلك . بل الحق فيه أن الخواصّ الأقوياء في الدين ، لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات . وأن الضعفاء لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا . وأعنى بالقوي الذي لا تميله الدنيا ، ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم ، وزهدوا في الدنيا ، وتبرموا بها ، وبمخالطة الخلق ، وقهروا أنفسهم وملكوها ، وقمعوا الشيطان فأيس منهم . فهؤلاء لا يحركهم إلا الحق ، ولا يسكنهم إلا الحق ولو زهقت فيهم أرواحهم . فهم أهل نيل الفضل في الإمارة والخلافة . ومن علم أنه ليس بهذه الصفة فيحرم عليه الخوض في الولايات ومن جرب نفسه فرآها صابرة على الحق ، كافة عن الشهوات في غير الولايات ، ولكن خاف عليها أن تتغير إذا ذاقت لذة الولاية ، وأن تستحلى الجاه ، وتستلذ نفاذ الأمر ، فتكره العزل ، فيداهن خيفة من العزل ، فهذا قد اختلف العلماء في أنه هل يلزمه الهرب من تقلد الولاية . فقال قائلون لا يجب ، لأن هذا خوف أمر في المستقبل ، وهو في الحال لم يعهد نفسه إلا قوية في ملازمة الحق وترك لذات النفس . والصحيح أن عليه الاحتراز ، لأن النفس خداعة ، مدعية للحق ، واعدة بالخير . فلو وعدت بالخير جزما لكان يخاف عليها أن تتغير عند الولاية . فكيف إذا أظهرت التردد ؟ والامتناع عن قبول الولاية أهون من العزل بعد الشروع . فالعزل مؤلم . وهو كما قيل : العزل طلاق الرجال . فإذا شرع لا تسمح نفسه بالعزل وتميل نفسه إلى المداهنة وإهمال الحق ، وتهوى به في قعر جهنم . ولا يستطيع النزوع منه إلى الموت ، إلا أن يعزل قهرا . وكان فيه عذاب عاجل على كل محب للولاية . ومهما مالت النفس إلى طلب الولاية ، وحملت على السؤال والطلب ، فهو إمارة الشر . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنا لا نولَّى أمرنا من سألنا » فإذا فهمت اختلاف حكم القوى والضعيف ، علمت أن نهى أبي بكر رافعا عن الولاية ، ثم تقلده لها ليس بمتناقض
شرح
[ 1 ] حديث إنا لا نولي أمرنا من سألناه : متفق عليه من حديث أبي موسى