كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم ، ويبقى الغل في صدوركم . يا عبيد الدنيا ، كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ، ولا تنقطع منها رغبته . بحق أقول لكم إن قلوبكم تبكي من أعمالكم . جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم ، والعمل تحت أقدامكم بحق أقول لكم ، أفسدتم آخرتكم بصلاح دنياكم . فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة . فأي ناس أخس منكم ؟ لو تعلمون ويلكم حتى متى تصفون الطريق للمدلجين ، وتقيمون في محلة المتجبرين ، كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم ، مهلا مهلا ويلكم ما ذا يغنى عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره ، وجوفه وحش مظلم ؟ كذلك لا يغنى عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم ، وأجوافكم منه وحشة معطلة . يا عبيد الدنيا ، لا كعبيد أتقياء ، ولا كأحرار كرام . توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم ، ثم تكبكم على مناخركم ، ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ، ثم يدفعكم العلم من خلفكم ، ثم يسلمكم إلى الملك الديان حفاة عراة فرادى . فيوقفكم على سوآتكم ، ثم يجزيكم بسوء أعمالكم وقد روى الحارث المحاسبي هذا الحديث في بعض كتبه ، ثم قال . هؤلاء علماء السوء شياطين الإنس ، وفتنة على الناس ، رغبوا في عرض الدنيا ورفعتها ، وآثروها على الآخرة وأذلوا الدين للدنيا . فهم في العاجل عار وشين ، وفي الآخرة هم الخاسرون فإن قلت : فهذه الآفات ظاهرة ، ولكن ورد في العلم والوعظ رغائب كثيرة ، حتى قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لأن يهدى الله بك رجلا خير لك من الدّنيا وما فيها » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « أيّما داع دعا إلى هدى واتّبع عليه كان له أجره وأجر من اتّبعه » إلى غير ذلك من فضائل العلم ، فينبغي أن يقال للعالم اشتغل بالعلم واترك مراءاة الخلق كما يقال لمن خالجه الرياء في الصلاة لا تترك العمل ، ولكن أتمم العمل وجاهد نفسك فاعلم أن فضل العلم كبير ، وخطره عظيم . كفضل الخلافة والإمارة . ولا نقول لأحد
شرح
[ 1 ] حديث لان يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها : متفق عليه من حديث سهل بن سعد بلفظ خير لك من حمر النعم وقد تقدم في العلم
[ 2 ] حديث أيما داع دعا إلى هدى واتبع عليه كان له أجره وأجر من اتبعه : ابن ماجة من حديث أنس بزيادة في أوله ولمسلم من حديث أبي هريرة من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه - الحديث :