تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
سربا تحت الأرض ، ألقى في قلبك حلاوة معرفة الناس لتزهدك وهربك منهم ، وتعظيمهم لك بقلوبهم على ذلك . فكيف تتخلص منه ؟ بل لا نجاة منه إلا بأن تلزم قلبك معرفة آفة الرياء ، وهو أنه ضرر في الآخرة ، ولا نفع فيه في الدنيا ، لتلزم الكراهة والإباء قلبك وتستمر مع ذلك على العمل ولا تبالي ، وإن نزغ العدو نازغ الطبع ، فإن ذلك لا ينقطع وترك العمل لأجل ذلك يجر إلى البطالة وترك الخيرات فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل ، فلا تترك العمل ، وجاهد خاطر الرياء ، وألزم قلبك الحياء من الله إذا دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين ، وهو مطلع على قلبك ولو اطلع الخلق على قلبك وأنك تريد حمدهم لمقتوك . بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء من ربك ، وعقوبة لنفسك ، فافعل . فإن قال لك الشيطان أنت مراء ، فاعلم كذبه وخدعه بما تصادف في قلبك من كراهة الرياء ، وإبائه ، وخوفك منه ، وحيائك من الله تعالى . وإن لم تجد في قلبك له كراهية ، ومنه خوفا ، ولم يبق باعث ديني ، بل تجرد باعث الرياء فاترك العمل عند ذلك وهو بعيد ، فمن شرع في العمل لله فلا بد أن يبقى معه أصل قصد الثواب فإن قلت : فقد نقل عن أقوام ترك العمل مخافة الشهرة . روى أن إبراهيم النخعي دخل عليه إنسان وهو يقرأ ، فأطبق المصحف وترك القراءة ، وقال ، لا يرى هذا أنا نقرأ كل ساعة . وقال إبراهيم التيمي : إذا أعجبك الكلام فاسكت . وإذا أعجبك السكوت فتكلم وقال الحسن : إن كان أحدهم ليمر بالأذى ما يمنعه من دفعه إلا كراهة الشهرة . وكان أحدهم يأتيه البكاء فيصرفه إلى الضحك مخافة الشهرة . وقد ورد في ذلك آثار كثيرة قلنا هذا يعارضه ما ورد من إظهار الطاعات ممن لا يحصى . وإظهار الحسن البصري هذا الكلام في معرض الوعظ ، أقرب إلى خوف الشهرة من البكاء ، وإماطة الأذى عن الطريق ثم لم يتركه . وبالجملة ترك النوافل جائز . والكلام في الأفضل . والأفضل إنما يقدر عليه الأقوياء دون الضعفاء . فالأفضل أن يتمم العمل ويجتهد في الإخلاص ، ولا يتركه . وأرباب الأعمال قد يعالجون أنفسهم بخلاف الأفضل لشدة الخوف . فالاقتداء ينبغي أن يكون بالأقوياء . وأما إطباق إبراهيم النخعي المصحف ، فيمكن أن يكون لعلمه بأنه سيحتاج إلى ترك القراءة عند دخوله ، واستئنافه بعد خروجه للاشتغال بمكالمته . فرأى أن لا يراه في القراءة