الذي جاء بالصرة ، فتتابع الناس بالعطية لما رأوه ، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتّبعه » وتجرى سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة ، والصيام ، والحج ، والغزو وغيرها ، ولكن الاقتداء في الصدقة على الطباع أغلب . نعم الغازي إذا هم بالخروج ، فاستعد وشد الرحل قبل القوم ، تحريضا لهم على الحركة ، فذلك أفضل له . لأن الغزو في أصله من أعمال العلانية لا يمكن إسراره . فالمبادرة إليه ليست من الإعلان ، بل هو تحريض مجرد . وكذلك الرجل قد يرفع صوته في الصلاة بالليل ، لينبه جيرانه وأهله ، فيقتدى به فكل عمل لا يمكن إسراره كالحج والجهاد والجمعة ، فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب الرياء وأما ما يمكن إسراره كالصدقة والصلاة ، فإن كان إظهار الصدقة يؤذى المتصدق عليه ، ويرغب الناس في الصدقة ، فالسر أفضل . لأن الإيذاء حرام . فإن لم يكن فيه إيذاء ، فقد اختلف الناس في الأفضل . فقال قوم السر أفضل من العلانية ، وإن كان في العلانية قدوة وقال قوم السر أفضل من علانية لا قدوة فيها . أما العلانية للقدوة فأفضل من السرّ .
ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء ، وخصهم بمنصب النبوة ولا يجوز أن يظن بهم أنهم حرموا أفضل العملين ، ويدل عليه قوله عليه السّلام « له أجرها وأجر من عمل بها » وقد روى في الحديث [ 2 ] أن عمل السر يضاعف على عمل العلانية سبعين ضعفا . ويضاعف عمل العلانية إذا استن بعامله على عمل السر سبعين ضعفا ، وهذا لا وجه للخلاف فيه ، فإنه مهما انفك القلب عن شوائب الرياء ، وتم الإخلاص على وجه
شرح
[ 1 ] حديث من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه : وفي أول قصة مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي
[ 2 ] حديث ان عمل السر يضاعف على عمل العلانية بسبعين ضعفا ويضاعف عمل العلانية إذا استن به على عمل السر سبعين ضعفا : البيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداء مقتصرا على الشطر الأول بنحوه وقال هذا من أفراد بقية عن شيوخه المجهولين وقد تقدم قبل هذا بنحو ورقتين وله من حديث ابن عمر عمل السر أفضل من عمل العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء وقال تفرد به بقية عن عبد الملك بن مهران وله من حديث عائشة يفضل أو يضاعف الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفا وقال تفرد به معاوية بن يحيى الصدافى وهو ضعيف