واحد في الحالتين ، فما يقتدى به أفضل لا محالة . وإنما يخلف من ظهور الرياء ، ومهما حصلت شائبة الرياء ، لم ينفعه اقتداء غيره ، وهلك به ، فلا خلاف في أن السر أفضل منه ولكن على من يظهر العمل وظيفتان إحداهما : أن يظهره حيث يعلم أنه يقتدى به ، أو يظن ذلك ظنا . ورب رجل يقتدى به أهله دون جيرانه . وربما يقتدى به جيرانه دون أهل السوق . وربما يقتدى به أهل محلته . وإنما العالم المعروف هو الذي يقتدى به الناس كافة . فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعات ربما نسب إلى الرياء والنفاق ، وذموه ولم يقتدوا به . فليس له الإظهار من غير فائدة . وإنما يصح الإظهار بنية القدوة ، ممن هو في محل القدوة على من هو في محل الاقتداء به والثانية : أن يراقب قلبه . فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي ، فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء ، وإنما شهوته التجمل بالعمل ، وبكونه يقتدى به . وهذا حال كل من يظهر أعماله ، إلا الأقوياء المخلصين ، وقليل ما هم . فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهو لا يشعر . فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة ، فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم ، فأقبل عليهم حتى تشبثوا به ، فهلكوا وهلك . والغرق بالماء في الدنيا ألمه ساعة . وليت كان الهلاك بالرياء مثله . لا بل عذابه دائم مدة مديدة . وهذه مزلة أقدام العبّاد والعلماء . فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ، ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص ، فتحبط أجورهم بالرياء . والتفطن لذلك غامض . ومحك ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو قيل له أخف العمل حتى يقتدى الناس بعابد آخر من أقرانك ، ويكون لك في السر مثل أجر الإعلام . فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به ، وهو المظهر للعمل ، فباعثه الرياء دون طلب الأجر ، واقتداء الناس به ، ورغبتهم في الخير . فإنهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره وأجره قد توفر عليه مع إسراره ، فما بال قلبه يميل إلى الإظهار ، لولا ملاحظته لأعين الخلق ومراءاتهم .
فليحذر العبد خدع النفس فإن النفس خدوع ، والشيطان مترصد ، وحب الجاه على القلب غالب .
وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات ، فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا . والسلامة في الإخفاء وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا . فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء
إحياء علوم الدين — صفحة 151
مساهمون: الغزالي
ص١٥١