تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
عليه بكل الهمة ، ولا يخطر بباله أمر الشيطان . فإنه إذا اشتغل بذلك بعد معرفة عداوته ، ثم خطر الشيطان له تنبه له : وعند التنبه يشتغل بدفعه . والاشتغال بذكر الله لا يمنع من التيقظ عند نزغة الشيطان . بل الرجل ينام وهو خائف من أن يفوته مهم عند طلوع الصبح ، فيلزم نفسه الحذر ، وينام على أن يتنبه في ذلك الوقت ، فيتنبه في الليل مرات قبل أوانه ، لما أسكن في قلبه من الحذر . مع أنه بالنوم غافل عنه . فاشتغاله بذكر الله كيف يمنع تنبهه ! ومثل هذا القلب هو الذي يقوى على دفع العدو ، إذا كان اشتغاله بمجرد ذكر الله تعالى قد أمات منه الهوى ، وأحيا فيه نور العقل والعلم ، وأماط عنه ظلمة الشهوات فأهل البصيرة أشعروا قلوبهم عداوة الشيطان وترصده ، وألزموها الحذر ، ثم لم يشتغلوا بذكره بل بذكر الله ، ودفعوا بالذكر شر العدو ، واستضاؤا بنور الذكر حتى صرفوا خواطر العدو . فمثال القلب مثال بئر أريد تطهيرها من الماء القذر ليتفجر منها الماء الصافي . فالمشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها الماء القذر . والذي جمع بين ذكر الشيطان وذكر الله قد نزح الماء القذر من جانب ، ولكنه تركه جاريا إليها من جانب آخر ، فيطول تعبه ، ولا تجف البئر من الماء القذر . والبصير هو الذي جعل لمجرى الماء القذر سدا ، وملأها بالماء الصافي فإذا جاء الماء القذر دفعه بالسكر والسد من غير كلفة ، ومئونة ، وزيادة تعب بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات اعلم أن في الإسرار للأعمال فائدة الإخلاص ، والنجاة من الرياء . وفي الإظهار فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير . ولكن فيه آفة الرياء . قال الحسن : قد علم المسلمون أن السر أحرز العملين . ولكن في الإظهار أيضا فائدة . ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية فقال * ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإِنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * « 1 » والإظهار قسمان ، أحدهما في نفس العمل ، والآخر بالتحدث بما عمل القسم الأول : إظهار نفس العمل ، كالصدقة في الملإ لترغيب الناس فيها . كما روى عن الأنصاري
هامش
« 1 » البقرة : 271