تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
فكم من مخلص كان سبب إخلاصه الاقتداء بمن هو مراء عند الله . وقد روى أنه كان يجتاز الإنسان في سكك البصرة عند الصبح ، فيسمع أصوات المصلين بالقرءان من البيوت . فصنف بعضهم كتابا في دقائق الرياء ، فتركوا ذلك ، وترك الناس الرغبة فيه فكانوا يقولون ليت ذلك الكتاب لم يصنف . فإظهار المرائي فيه خير كثير لغيره إذا لم يعرف رياؤه . [ 1 ] وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وبأقوام لا خلاق لهم ، كما ورد في الأخبار . وبعض المرائين ممن يقتدى به منهم ، والله تعالى أعلم بيان الرخصة في كتمان الذنوب وكراهة اطلاع الناس عليه وكراهة ذمهم له اعلم أن الأصل في الإخلاص استواء السريرة والعلانية ، كما قال عمر رضي الله عنه لرجل : عليك بعمل العلانية . قال يا أمير المؤمنين وما عمل العلانية ؟ قال ما إذا اطلع عليك لم تستحي منه . وقال أبو مسلم الخولاني : ما عملت عملا أبالي أن يطلع الناس عليه ، إلا إتيانى أهلي ، والبول ، والغائط ، إلا أن هذه درجة عظيمة لا ينالها كل واحد . ولا يخلو الإنسان عن ذنوب بقلبه أو بجوارحه ، وهو يخفيها ، ويكره اطلاع الناس عليها ، لا سيما ما تختلج به الخواطر في الشهوات والأماني . والله مطلع على جميع ذلك . فإرادة العبد لإخفائها عن العبيد ربما يظن أنه رياء محظور ، وليس كذلك . بل المحظور أنه يستر ذلك ليرى الناس أنه ورع خائف من الله تعالى ، مع أنه ليس كذلك . فهذا هو ستر المرائي . وأما الصادق الذي لا يرائي ، فله ستر المعاصي ، ويصح قصده فيه ، ويصح اغتمامه باطلاع الناس عليه من ثمانية أوجه الأول : أن يفرح بستر الله عليه . وإذا افتضح اغتم بهتك الله ستره ، وخاف أن يهتك ستره في القيامة . إذ ورد في الخبر [ 2 ] أن من ستر الله عليه في الدنيا ذنبا ، ستره الله عليه في الآخرة . وهذا غم ينشأ من قوة الإيمان
شرح
[ 1 ] حديث إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم : هما حديثان فالأول متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم في العلم والثاني رواه النسائي من حديث أنس بسند صحيح وتقدم أيضا [ 2 ] حديث ان من ستر عليه في الدنيا يستر عليه في الآخرة : تقدم قبل هذا بورقة
إحياء علوم الدين — صفحة 153 | الغزالي