تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
القسم الثاني : أن يتحدث بما فعله بعد الفراغ . وحكمه حكم إظهار العمل نفسه ، والخطر في هذا أشد ، لأن مئونة النطق خفيفة على اللسان ، وقد تجرى في الحكاية زيادة ومبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاوي عظيمة ، إلا أنه لو تطرق إليه الرياء ، لم يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها . فهو من هذا الوجه أهون . والحكم فيه أن من قوى قلبه ، وتم إخلاصه ، وصغر الناس في عينه ، واستوى عنده مدحهم وذمهم ، وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به ، والرغبة في الخير بسببه ، فهو جائز . بل هو مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن جميع الآفات . لأنه ترغيب في الخير ، والترغيب في الخير خير وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء . قال سعد بن معاذ . ما صليت صلاة منذ أسلمت فحدثت نفسي بغيرها ، ولا تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هي قائلة وما هو مقول لها ، وما سمعت النبي صلَّى الله عليه وسلم يقول قولا قط إلا علمت أنه حق وقال عمر رضي الله عنه : ما أبالي أصبحت على عسر أو يسر ، لأني لا أدرى أيهما خير لي وقال ابن مسعود : ما أصبحت على حال فتمنيت أن أكون على غيرها . وقال عثمان رضي الله عنه [ 1 ] ما تغنيت ، ولا تمنيت ، ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم . وقال شداد بن أوس : ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت حتى أزمها وأخطمها غير هذه . وكان قد قال لغلامه : ائتنا بالسفرة لنبعث بها حتى ندرك الغداء . وقال أبو سفيان لأهله حين حضره الموت : لا تبكوا علىّ ، فإني ما أحدثت ذنبا منذ أسلمت . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى : ما قضى الله في بقضاء قط فسرني أن يكون قضى لي بغيره . وما أصبح لي هوى إلا في مواقع قدر الله فهذا كله إظهار لأحوال شريفة ، وفيها غاية المرآة إذا صدرت ممن يرائي بها ، وفيها غاية الترغيب إذا صدرت ممن يقتدى به . فذلك على قصد الاقتداء جائز للأقوياء بالشروط التي ذكرناها . فلا ينبغي أن يسد باب إظهار الأعمال ، والطباع مجبولة على حب التشبه والاقتداء . بل إظهار المرائي للعبادة إذا لم يعلم الناس أنه رياء ، فيه خير كثير للناس ، ولكنه شر للمرائي .
شرح
[ 1 ] حديث عثمان قوله ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أبو يعلى الموصلي في معجمه بإسناد ضعيف من رواية أنس عنه في أثناء حديث وان عثمان قال يا رسول الله فذكره بلفظ منذ بايعنك قال هو ذاك يا عثمان
إحياء علوم الدين — صفحة 152 | الغزالي