تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
في التوكل الخوف مما خوف الله به ، والحذر مما أمر بالحذر منه ! . وقد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من زعم أن معنى التوكل النزوع عن الأسباب بالكلية . وقوله تعالى * ( وأَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ ومن رِباطِ الْخَيْلِ ) * « 1 » لا يناقض امتثال التوكل ، مهما اعتقد القلب أن الضار والنافع ، والمحيي ، والمميت هو الله تعالى . فكذلك يحذر الشيطان ويعتقد أن الهادي والمضل هو الله ، ويرى الأسباب وسائط مسخرة كما ذكرناه في التوكل وهذا ما اختاره الحارث المحاسبي رحمه الله ، وهو الصحيح الذي يشهد له نور العلم . وما قبله يشبه أن يكون من كلام العبّاد الذين لم يغزر علمهم ، ويظنون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق باللَّه يستمر على الدوام ، وهو بعيد . ثم اختلفت هذه الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفية الحذر . فقال قوم : إذا حذرنا الله تعالى العدوّ ، فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب على قلوبنا من ذكره ، والحذر منه ، والترصد له فإنا إن غفلنا عنه لحظة ، فيوشك أن يهلكنا . وقال قوم : إن ذلك يؤدى إلى خلو القلب عن ذكر الله ، واشتغال الهم كله بالشيطان ، وذلك مراد الشيطان منا ، بل نشتغل بالعبادة وبذكر الله تعالى ، ولا ننسى الشيطان وعداوته ، والحاجة إلى الحذر منه . فنجمع بين الأمرين فإنا إن نسيناه ربما عرض من حيث لا نحتسب ، وإن تجردنا لذكره كنا قد أهملنا ذكر الله . فالجمع أولى وقال العلماء المحققون : غلط الفريقان . أما الأول فقد تجرد لذكر الشيطان ونسي ذكر الله ، فلا يخفى غلطه . وإنما أمرنا بالحذر من الشيطان كيلا يصدنا عن الذكر ، فكيف نجعل ذكره أغلب الأشياء على قلوبنا ، وهو منتهى ضرر العدو ؟ ثم يؤدى ذلك إلى خلو القلب عن نور ذكر الله تعالى . فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب ، وليس فيه نور ذكر الله تعالى وقوة الاشتغال به ، فيوشك أن يظفر به ، ولا يقوى على دفعه . فلم يأمرنا بانتظار الشيطان ، ولا بإدمان ذكره وأما الفرقة الثانية : فقد شاركت الأولى ، إذ جمعت في القلب بين ذكر الله والشيطان وبقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر الله . وقد أمر الله الخلق بذكره ونسيان ما عداه ، إبليس وغيره . فالحق أن يلزم العبد قلبه الحذر من الشيطان ، ويقرر على نفسه عداوته ، فإذا اعتقد ذلك وصدق به ، وسكن الحذر فيه . فيشتغل بذكر الله ، ويكب
هامش
« 1 » الأنفال : 60