تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
تأخره . فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه فوقف ، فدفع في نحر الضال ، ولم يشتغل بالقتال واستعجل ، ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه . ومر به الثالث ، فلم يلتفت إليه ، ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله . بل استمر على ما كان ، فخاب منه رجاؤه بالكلية . فمر الرابع ، فلم يتوقف له . وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته ، وترك التأنى في المشي . فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير ، فإنه لا يعاوده خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله فإن قلت : فإذا كان الشيطان لا تؤمن نزغاته . فهل يجب الترصد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده ، أم يجب التوكل على الله ليكون هو الدافع له أو يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه ؟ قلنا : اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه : فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان ، لأنهم انقطعوا إلى الله ، واشتغلوا بحبه ، فاعتزلهم الشيطان وأيس منهم ، وخنس عنهم ، كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى الخمر والزنا ، فصارت ملاذ الدنيا عندهم ، وإن كانت مباحة ، كالخمر والخنزير ، فارتحلوا من حبها بالكلية ، فلم يبق للشيطان إليهم سبيل ، فلا حاجة بهم إلى الحذر . وذهبت فرقة من أهل الشام إلى أن الترصد للحذر منه إنما يحتاج إليه من قل يقينه ، ونقص توكله . فمن أيقن بأن لا شريك لله في تدبيره فلا يحذر غيره . ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق ليس له أمر ، ولا يكون إلا ما أراده الله ، فهو الضار والنافع ، والعارف يستحيي منه أن يحذر غيره . فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر وقالت فرقة من أهل العلم لا بد من الحذر من الشيطان . وما ذكره البصريون من أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر ، وخلت قلوبهم عن حب الدنيا بالكلية ، فهو وسيلة الشيطان يكاد يكون غرورا . إذ الأنبياء عليهم السلام لم يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاته فكيف يتخلص غيرهم ! وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا . بل في صفات الله تعالى وأسمائه ، وفي تحسين البدع والضلال وغير ذلك . ولا ينجو أحد من الخطر فيه . ولذلك قال تعالى * ( وما أَرْسَلْنا من قَبْلِكَ من رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِه فَيَنْسَخُ الله ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آياتِه ) * « 1 » وقال النبي صلَّى الله عليه وسلم
هامش
« 1 » الحج : 52