والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربع مراتب .
الأولى : أن يرده على الشيطان فيكذبه ، ولا يقتصر عليه ، بل يشتغل بمجادلته ، ويطيل الجدال معه ، لظنه أن ذلك أسلم لقلبه . وهو على التحقيق نقصان ، لأنه اشتغل عن مناجاة الله ، وعن الخير الذي هو بصدده ، وانصرف إلى قتال قطاع الطريق ، والتعريج على قتال قطاع الطريق نقصان في السلوك
الثانية : أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك ، فيقتصر على تكذيبه ودفعه ، ولا يشتغل بمجادلته
الثالثة : أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا ، لأن ذلك وقفة . وإن قلت بل يكون قد قرر في عقد ضميره كراهة الرياء وكذب الشيطان ، فيستمر على ما كان عليه مستصحبا للكراهة غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة
الرابعة : أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرياء ، فيكون قد عزم على أنه مهما نزغ الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص ، والاشتغال باللَّه ، وإخفاء الصدقة والعبادة ، غيظا للشيطان . وذلك هو الذي يغيظ الشيطان ويقمعه ، ويوجب يأسه وقنوطه حتى لا يرجع . يروى عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له إن فلانا يذكرك . فقال والله لأغيظن من أمره . قيل ومن أمره ؟ قال الشيطان . اللهم اغفر له . أي لأغيظنه بأن أطيع الله فيه . ومهما عرف الشيطان من عبد هذه العادة ، كف عنه خيفة من أن يزيد في حسناته وقال إبراهيم التيمي : إن الشيطان ليدعو العبد إلى الباب من الإثم ، فلا يطعه ، وليحدث عند ذلك خيرا . فإذا رآه كذلك تركه . وقال أيضا : إذا رآك الشيطان مترددا طمع فيك وإذا رآك مداوما ملَّك وقلاك . وضرب الحارث المحاسبي رحمه الله لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه فقال : مثالهم كأربعة قصدوا مجلسا من العلم والحديث ، لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا . فحسدهم على ذلك ضال مبتدع ، وخاف أن يعرفوا الحق ، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عن ذلك ، ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى . فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة ، فاشتغل معه ليرد ضلاله ، وهو يظن أن ذلك مصلحة له ، وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر
إحياء علوم الدين — صفحة 145
مساهمون: الغزالي
ص١٤٥