تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وتدفع نور المعرفة مثل مرارة الغضب . وإليه أشار جابر بقوله . [ 1 ] بايعنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا نفر ، ولم نبايعه على الموت ، فأنسيناها يوم حنين حتى نودي يا أصحاب الشجرة ، فرجعوا . وذلك لأن القلوب امتلأت بالخوف ، فنسيت العهد السابق ، حتى ذكروا ، وأكثر الشهوات التي تهجم فجأة هكذا تكون ، إذ تنسى معرفة مضرته الداخلة في عقد الإيمان ومهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة . فإن الكراهة ثمرة المعرفة وقد يتذكر الإنسان ، فيعلم أن الخاطر الذي خطر له هو خاطر الرياء الذي يعرضه لسخط الله ، ولكن يستمر عليه لشدة شهوته ، فيغلب هواه عقله ، ولا يقدر على ترك لذة الخال فيسوف بالتوبة ، أو يتشاغل عن التفكر في ذلك لشدة الشهوة ، فكم من عالم يحضره كلام لا يدعوه إلى فعله إلا رياء الخلق ، وهو يعلم ذلك ولكنه يستمر عليه ، فتكون الحجة عليه أوكد ، إذ قبل داعي الرياء مع علمه بغائلته ، وكونه مذموما عند الله . ولا تنفعه معرفته ، إذا خلت المعرفة عن الكراهة . وقد تحضر المعرفة والكراهة ، ولكن مع ذلك يقبل داعى الرياء ويعمل به ، لكون الكراهة ضعيفة بالإضافة إلى قوة الشهوة . وهذا أيضا لا ينتفع بكراهته ، إذ الغرض من الكراهة أن تصرف عن الفعل فإذا لا فائدة إلا في اجتماع الثلاث ، وهي المعرفة ، والكراهة والإباء . فالإباء ثمرة الكراهة ، والكراهة ثمرة المعرفة ، وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونور العلم ، وضعف المعرفة بحسب الغفلة ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وقلة التفكر فيما عند الله ، وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا وعظيم نعيم الآخرة . وبعض ذلك ينتج بعضا ويثمره ، وأصل ذلك كله حب الدنيا وغلبة الشهوات ، فهو رأس كل خطيئة ، ومنبع كل ذنب ، لأن حلاوة حب الجاه والمنزلة ونعيم الدنيا ، هي التي تغضب القلب وتسلبه ، وتحول بينه وبين التفكر في العاقبة ، والاستضاءة بنور الكتاب ، والسنة ، وأنوار العلوم . فإن قلت : فمن صادف من نفسه كراهة الرياء ، وحملته الكراهة على الإباء ، ولكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه ، وحبه له ، ومنازعته إياه ، إلا أنه كاره لحبه ولميله إليه ، وغير محبب إليه فهل يكون في زمرة المرائين ؟
شرح
[ 1 ] حديث جابر بايعنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا نفر - الحديث : مسلم مختصرا دون ذكر يوم حنين فرواه مسلم من حديث العباس