فاعلم أن الله لم يكلف العباد إلا ما تطبق ، وليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته ، ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات ولا ينزع إليها . وإنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثارها من معرفة العواقب وعلم الدين ، وأصول الإيمان باللَّه واليوم الآخر . فإذا فعل ذلك فهو الغاية في أداء ما كلف به . ويدل على ذلك من الأخبار ما روى أن أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] شكوا إليه وقالوا . تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخر من السماء فتخطفنا الطير ، أو تهوى بنا الريح في مكان سحيق ، أحب إلينا من أن نتكلم بها . فقال عليه السّلام « أوقد وجدتموه ؟ » قالوا نعم قال « ذلك صريح الإيمان » ولم يجدوا إلا الوسواس والكراهة له . ولا يمكن أن يقال أراد بصريح الإيمان الوسوسة فلم يبق إلا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسة . والرياء وإن كان عظيما فهو دون الوسوسة في حق الله تعالى . فإذا اندفع ضرر الأعظم بالكراهة ، فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى وكذلك يروى عن النبي صلَّى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس أنه قال [ 2 ] « الحمد لله الَّذي ردّ كيد الشّيطان إلى الوسوسة » وقال أبو حازم : ما كان من نفسك ، وكرهته نفسك لنفسك ، فلا يضرك ما هو من عدوك . وما كان من نفسك ، فرضيته نفسك لنفسك ، فعاتبها عليه . فإذا وسوسة الشيطان ومنازعة النفس لا تضرك ، مهما رددت مرادهما بالإباء والكراهة . والخواطر التي هي العلوم ، والتذكرات ، والتخيلات للأسباب المهيجة للرياء ، هي من الشيطان . والرغبة والميل بعد تلك الخواطر من النفس . والكراهة من الإيمان ومن آثار العقل . إلا أن للشيطان هاهنا مكيدة ، وهي أنه إذا عجز عن حمله على قبول الرياء ، خيل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان ومطاولته في الرد والجدال ، حتى يسلبه ثواب الإخلاص وحضور القلب . لأن الاشتغال بمجادلة الشيطان ومدافعته انصراف عن سر المناجاة مع الله ، فيوجب ذلك نقصانا في منزلته عند الله
شرح
[ 1 ] حديث شكوى الصحابة ما يعرض في قلوبهم وقوله ذلك صريح الإيمان : مسلم من حديث ابن مسعود مختصرا سئل النبي صلَّى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال ذلك محض الإيمان والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه ورواه النسائي فيه من حديث عائشة
[ 2 ] حديث ابن عباس الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة : أبو داود والنسائي في اليوم والليلة بلفظ كيده