تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
المقام الثاني : في دفع العارض منه في أثناء العبادة . وذلك لا بد من تعلمه أيضا . فإن من جاهد نفسه ، وقلع مغارس الرياء من قلبه بالقناعة ، وقطع الطمع ، وإسقاط نفسه من أعين المخلوقين ، واستحقار مدح المخلوقين وذمهم ، فالشيطان لا يتركه في أثناء العبادات ، بل يعارضه بخطرات الرياء . ولا تنقطع عنه نزغاته ، وهوى النفس وميلها إلا ينمحى بالكلية . فلا بد وأن يتشمر لدفع ما يعرض من خاطر الرياء . وخواطر الرياء ثلاثة . قد تخطر دفعة واحدة كالخاطر الواحد ، وقد تترادف على التدريج فالأوّل : العلم باطلاع الخلق ، ورجاء اطلاعهم . ثم يتلوه هيجان الرغبة من النفس في حمدهم وحصول المنزلة عندهم . ثم يتلوه هيجان الرغبة في قبول النفس له ، والركون إليه ، وعقد الضمير على تحقيقه . فالأول معرفة . والثاني حالة تسمى الشهوة والرغبة . والثالث فعل يسمى العزم وتصميم العقد . وإنما كمال القوة في دفع الخاطر الأول ورده قبل أن يتلوه الثاني فإذا خطر له معرفة اطلاع الخلق ، أو رجاء اطلاعهم ، دفع ذلك بأن قال مالك وللخلق علموا أو لم يعلموا ، والله عالم بحالك ؟ فأي فائدة في علم غيره ؟ فإن هاجت الرغبة إلى لذة الحمد ، يذكر ما رسخ في قلبه من قبل من آفة الرياء ، وتعرضه للمقت عند الله في القيامة ، وخيبته في أحوج أوقاته إلى أعماله . فكما أن معرفة اطلاع الناس تثير شهوة ورغبة في الرياء فمعرفة آفة الرياء تثير كراهة له تقابل تلك الشهوة . إذ يتفكر في تعرضه لمقت الله وعقابه الأليم والشهوة تدعوه إلى القبول ، والكراهة تدعوه إلى الإباء والنفس تطاوع لا محالة أقواهما وأغلبهما فإذا لا بد في رد الرياء من ثلاثة أمور . المعرفة ، والكراهة ، والإباء . وقد يشرع العبد في العبادة على عزم الإخلاص ، ثم يرد خاطر الرياء فيقبله ، ولا تحضره المعرفة ولا الكراهة التي كان الضمير منطويا عليها . وإنما سبب ذلك امتلاء القلب بخوف الذم وحب الحمد ، واستيلاء الحرص عليه ، بحيث لا يبقى في القلب متسع لغيره ، فيعزب عن القلب المعرفة السابقة بآفات الرياء ، وشؤم عاقبته ، إذ لم يبق موضع في القلب خال عن شهوة الحمد أو خوف الذم . وهو كالذي يحدث نفسه بالحلم وذم الغضب ، ويعزم على التحلم عند جريان سبب الغضب ، ثم يجرى من الأسباب ما يشتد به غضبه ، فينسى سابقة عزمه ، ويمتلئ قلبه غيظا يمنع من تذكر آفة الغضب ، ويشغل قلبه عنه فكذلك حلاوة الشهوة تملأ القلب ،