تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ولو أخلص لله لكشف الله لهم إخلاصه ، وحببه إليهم ، وسخرهم له ، وأطلق ألسنتهم بالمدح والثناء عليه ، مع أنه لا كمال في مدحهم . ولا نقصان في ذمهم ، كما قال شاعر من تميم [ 1 ] إن مدحي زين ، وإن ذمي شين . فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلم « كذبت ذاك الله الَّذي لا إله إلَّا هو » إذ لا زين إلا في مدحه ، ولا شين إلا في ذمه ، فأي خير لك في مدح الناس وأنت عند الله مذموم ومن أهل النار ؟ وأي شر لك من ذم الناس ، وأنت عند الله محمود في زمرة المقربين فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد ، والمنازل الرفيعة عند الله ، استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة ، مع ما فيه من الكدورات والمغصات ، واجتمع همه ، وانصرف إلى الله قلبه ، وتخلص من مذلة الرياء ، ومقاساة قلوب الخلق ، وانعطف من إخلاصه أنوار على قلبه ، ينشرح بها صدره ، وينفتح بها له من لطائف المكاشفات ما يزيد به أنسه باللَّه ، ووحشته من الخلق ، واستحقاره للدنيا ، واستعظامه للآخرة ، وسقط محل الخلق من قلبه ، وانحل عنه داعية الرياء وتذلل له منهج الإخلاص فهذا وما قدمناه في الشطر الأول ، هي الأدوية العلمية القالعة مغارس الرياء وأما الدواء العملي . فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات ، وإغلاق الأبواب دونها ، كما تغلق الأبواب دون الفواحش ، حتى يقنع قلبه بعلم الله ، واطلاعه على عباداته ، ولا تنازعه النفس إلى طلب علم غير الله به . وقد روى أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذم الدنيا وأهلها ، فقال أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه ، لا تجالسنا بعد هذا . فلم يرخص في إظهار هذا القدر ، لأن في ضمن ذم الدنيا دعوى الزهد فيها . فلا دواء للرياء مثل الإخفاء ، وذلك يشق في بداية المجاهدة . وإذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله ، وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله ، وما يمد به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد . ولكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . فمن العبد المجاهدة ، ومن الله الهداية . ومن العبد قرع الباب ، ومن الله فتح الباب . والله لا يضيع أجر المحسنين ، وإن تك حسنة يضاعفها ، ويؤت من لدنه أجرا عظيما
شرح
[ 1 ] حديث قال شاعر من بني تميم إن مدحي زين إن ذمي شين فقال كذبت ذاك الله : حم من حديث الأقرع ابن حابس وهو قائل ذلك دون قوله كذبت ورجاله ثقات الا أنى لا أعرف لأبي سلمة بن عبد الرحمن سماعا من الأقرع ورواه الترمذي من حديث البراء وحسنه بلفظ فقال رجل ان حمدى