تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وتحببت إلى العباد بالتبغض إلى الله ، وتزينت لهم بالشين عند الله ، وتقربت إليهم بالبعد من الله ، وتحمدت إليهم بالتذمم عند الله ، وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله . أما كان أحد أهون عليك من الله ؟ فمهما تفكر العبد في هذا الخزي ، وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا ، بما يفوته في الآخرة ، وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال ، مع أن العمل الواحد ربما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص ، فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات فترجح به ، ويهوى إلى النار . فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره . وإن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة ، فقد كان ينال بهذه الحسنة علو الرتبة عند الله في زمرة النبيين والصديقين ، وقد حط عنهم بسبب الرياء ، وردّ إلى صف النعال من مراتب الأولياء ، هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق . فإن رضا الناس غاية لا تدرك . فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق . ورضا بعضهم في سخط بعضهم . ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه ، وأسخطهم أيضا عليه . ثم أي غرض له في مدحهم ، وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ، ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة وأما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء ، وأن الخلق مضطرون فيه ، ولا رازق إلا الله . ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة . فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ، ووهم فاسد قد يصيب وقد يخطئ ؟ وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته ومذلته وأما ذمهم فلم يحذر منه ، ولا يزيده ذمهم شيئا ما لم يكتبه عليه الله ، ولا يعجل أجله ، ولا يؤخر رزقه ، ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة ، ولا يبغضه إلى الله إن كان محمودا عند الله ، ولا يزيده مقتا إن كان ممقوتا عند الله ؟ فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها ، فترت رغبته ، وأقبل على الله قلبه ، فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه . ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص ، لمقتوه . وسيكشف الله عن سره حتى يبغضه إلى الناس ، ويعرفهم أنه مراء وممقوت عند الله .