تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
والقدر في القلوب . والرجل يقاتل للذكر . وهذا هو الحمد باللسان . فقال صلَّى الله عليه وسلم « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله » وقال ابن مسعود . إذا التقى الصفان نزلت الملائكة ، فكتبوا الناس على مراتبهم . فلان يقاتل للذكر . وفلان يقاتل للملك والقتال للملك إشارة إلى الطمع في الدنيا . وقال عمر رضي الله عنه . يقولون فلان شهيد ، ولعله يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من غزا لا يبغى إلَّا عقالا فله ما نوى » فهذا إشارة إلى الطمع . وقد لا يشتهي الحمد ولا يطمع فيه ، ولكن يحذر من ألم الذم ، كالبخيل بين الأسخياء وهم يتصدقون بالمال الكثير ، فإنه يتصدق بالقليل كي لا يبخل . وهو ليس يطمع في الحمد وقد سبقه غيره . وكالجبان بين الشجعان ، لا يفر من الزحف خوفا من الذم ، وهو لا يطمع في الحمد وقد هجم غيره على صف القتال . ولكن إذا أيس من الحمد كره الذم . وكالرجل بين قوم يصلون جميع الليل ، فيصلَّى ركعات معدودة حتى لا يذم بالكسل ، وهو لا يطمع في الحمد . وقد يقدر الإنسان على الصبر عن لذة الحمد ، ولا يقدر على الصبر على ألم الذم . ولذلك قد يترك السؤال عن علم هو محتاج إليه ، خيفة من أن يذم بالجهل . ويفتي بغير علم ، ويدعى العلم بالحديث وهو به جاهل ، كل ذلك حذرا من الذم فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك المرائي إلى الرياء . وعلاجه ما ذكرناه في الشطر الأول من الكتاب على الجملة . ولكنا نذكر الآن ما يخص الرياء . وليس بخفي أن الإنسان إنما يقصد الشيء ويرغب فيه لظنه أنه خير له ونافع ولذيذ ، إما في الحال وإما في المآل . فإن علم أنه لذيذ في الحال ، ولكنه ضار في المآل . سهل عليه قطع الرغبة عنه . كمن يعلم أن العسل لذيذ ، ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه . فكذلك طريق قطع هذه الرغبة أن يعلم ما فيه من المضرة ومهما عرف العبد مضرة الرياء ، وما يفوته من صلاح قلبه ، وما يحرم عنه في الحال من التوفيق ، وفي الآخرة من المنزلة عند الله ، وما يتعرض له من العقاب العظيم ، والمقت الشديد ، والخزي الظاهر ، حيث ينادى على رؤس الخلائق يا فاجر ، يا غادر ، يا مرائي ، أما استحييت إذ اشتريت بطاعة الله عرض الدنيا ، وراقبت قلوب العباد ، واستهزأت بطاعة الله
شرح
[ 1 ] حديث من غزا لا يبغى إلا عقالا فله ما نوى : النسائي وقد تقدم