وأول درجاته إظهار الغضب ، وآخرها إظهار الفرح . ولا يكون الفرح وإظهاره إلا ممن في قلبه حنق وحقد على نفسه لتمردها عليه ، وكثرة عيوبها ، ومواعيدها الكاذبة ، وتلبيساتها الخبيثة ، فيبغضها بغض العدو . والإنسان يفرح بمن يذم عدوه . وهذا شخص عدوه نفسه ، فيفرح إذا سمع ذمها ، ويشكر الذام على ذلك ، ويعتقد فطنته وذكاءه لما وقف على عيوبها ، فيكون ذلك كالتشفى له من نفسه ، ويكون غنيمة عنده ، إذ صار بالمذمة أوضع في أعين الناس ، حتى لا يبتلى بفتنة الناس . وإذا سيقت إليه حسنات لم ينصب فيها ، فعساه يكون خيرا لعيوبه التي هو عاجز عن إماطتها . ولو جاهد المريد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة ، وهو أن يستوي عنده ذامه ومادحه ، لكان له شغل شاغل فيه ، لا يتفرغ معه لغيره . وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة ، هذه إحداها ، ولا يقطع شيئا منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل
الشطر الثاني من الكتاب في طلب الجاه والمنزلة بالعبادات
وهو الرياء . وفيه بيان ذم الرياء ، وبيان حقيقة الرياء ، وما يرائي به ، وبيان درجات الرياء وبيان الرياء الخفي ، وبيان ما يحبط العمل من الرياء وو ما لا يحبط ، وبيان دواء الرياء وعلاجه ، وبيان الرخصة في إظهار الطاعات ، وبيان الرخصة في كتمان الذنوب ، وبيان ترك الطاعات خوفا من الرياء والآفات ، وبيان ما يصح من نشاط العبد للعبادات بسبب رؤية الخلق ، وبيان ما يجب على المربد أن يلزمه قلبه قبل الطاعة وبعدها ، وهي عشرة فصول ، وباللَّه التوفيق
بيان ذم الرياء
اعلم أن الرياء حرام ، والمرائي عند الله ممقوت ، وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار والآثار
أما الآيات .
فقوله تعالى * ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ) * « 1 » وقوله عز وجل * ( والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ) * « 2 »
هامش
« 1 » الماعون 4 ، 5 ، 6
« 2 » فاطر : 10