اللهم ارحمه ، كما قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « اللَّهمّ اغفر لقومي اللَّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون » لما أن كسروا ثنيته ، وشجوا وجهه ، وقتلوا عمه حمزة يوم أحد .
ودعا إبراهيم بن أدهم لمن شج رأسه بالمغفرة ، فقيل له في ذلك ، فقال علمت أنى مأجور بسببه ، وما نالني منه إلا خير ، فلا أرضى أن يكون هو معاقبا بسببي . ومما يهون عليك كراهة المذمة قطع الطمع . فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم يعظم أثر ذلك في قلبه . وأصل الدين القناعة وبها ينقطع الطمع عن المال والجاه . وما دام الطمع قائما ، كان حب الجاه والمدح في قلب من طمعت فيه غالبا ، وكانت همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة ، ولا ينال ذلك إلا بهدم الدين فلا ينبغي أن يطمع طالب المال والجاه ومحب المدح ومبغض الذم في سلامة دينه ، فإن ذلك بعيد جدا
بيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذم
اعلم أن للناس أربعة أحوال بالإضافة إلى الذام والمادح
الحالة الأولى : أن يفرح بالمدح ، ويشكر المادح ، ويغضب من الذم ، ويحقد على الذام ، ويكافئه أو يحب مكافأته . وهذا حال أكثر الخلق ، وهو غاية درجات المعصية في هذا الباب
الحالة الثانية : أن يمتعض في الباطن على الذام ، ولكن يمسك لسانه وجوارحه عن مكافأته ، ويفرح باطنه ويرتاح للمادح ، ولكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور .
وهذا من النقصان ، إلا أنه بالإضافة إلى ما قبله كمال
الحالة الثالثة : وهي أول درجات الكمال ، أن يستوي عنده ذامه ومادحه ، فلا تغمه المذمة ، ولا تسره المدحة . وهذا قد يظنه بعض العبّاد بنفسه ، ويكون مغرورا إن لم يمتحن نفسه ، بعلاماته . وعلاماته أن لا يجد في نفسه استثقالا للذام عند تطويله الجلوس عنده ، أكثر مما يجده في المادح . وأن لا يجد في نفسه زيادة هزة ونشاط في قضاء حوائج المادح ، فوق ما يجده في قضاء حاجة الذام . وأن لا يكون انقطاع الذام عن مجلسه ، أهون عليه
شرح
[ 1 ] حديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون له لما ضربه قومه : البيهقي في دلائل النبوة وقد تقدم والحديث في الصحيح أنه صلَّى الله عليه وسلم قاله حكاية عن نبي من الأنبياء حين ضربه قومه