تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الصّوف إلَّا من « فقيل يا رسول الله إلا من ؟ فقال » إلَّا من تنزّهت نفسه عن الدّنيا وأبغض المدحة واستحبّ المذمّة « وهذا شديد جدا وغاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية : وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام والمادح ولا يظهر ذلك بالقول والعمل . فأما الحالة الثالثة : وهي التسوية بين المادح والذام ، فلسنا نطمع فيها . ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية ، فإنها لا تفي بها ، لأنها لا بد وأن تتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته ، وتتثاقل على إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجه . ولا نقدر على أن نسوى بينهما في الفعل الظاهر ، كما لا نقدر عليه في سريرة القلب . ومن قدر على التسوية بين المادح والذام في ظاهر الفعل ، فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمان إن وجد ، فإنه الكبريت الأحمر يتحدث الناس به ولا يرى ، فكيف بما بعده من المرتبتين وكل واحدة من هذه الرتب أيضا فيها درجات . أما الدرجات في المدح ، فهو أن من الناس من يتمنى المدحة والثناء وانتشار الصيت ، فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن ، حتى يرائي بالعبادات ، ولا يبالي بمقارفة المحظورات ، لاستمالة قلوب الناس ، واستنطاق ألسنتهم بالمدح : وهذا من الهالكين ومنهم من بريد ذلك ، ويطلبه بالمباحات ، ولا يطلبه بالعبادات ، ولا يباشر المحظورات . وهذا على شفا جرف هار . فإن حدود الكلام الذي يستميل به القلوب ، وحدود الأعمال ، لا يمكنه أن يضبطها . فيوشك أن يقع فيما لا يحل لنيل الحمد . فهو قريب من الهالكين جدا . ومنهم من لا يريد المدحة ، ولا يسعى لطلبها ، ولكن إذا مدح سبق السرور إلى قلبه . فإن لم يقابل ذلك بالمجاهدة ، ولم يتكلف الكراهية ، فهو قريب من أن يستجره فرط السرور إلى الرتبة التي قبلها . وإن جاهد نفسه في ذلك ، وكلف قلبه الكراهية ، وبغض السرور إليه بالتفكر في آفات المدح ، فهو في خطر المجاهدة ، فتارة تكون اليد له ، وتارة تكون عليه ومنهم من إذا سمع المدح لم يسر به ، ولم يغتم به ، ولم يؤثر فيه ، وهذا على خير ، وإن كان قد بقي عليه بقية من الإخلاص . ومنهم من يكره المدح إذا سمعه ، ولكن لا ينتهى به إلى أن يغضب على المادح وينكر عليه . وأقصى درجاته أن يكره ، ويغضب ، ويظهر الغضب وهو صادق فيه . لا أن يظهر الغضب وقلبه محب له ، فإن ذلك عين النفاق ، لأنه يريد ، أن يظهر من نفسه الإخلاص والصدق ، وهو مفلس عنه . وكذلك بالضد من هذا تتفاوت الأحوال في حق الذام .