من انقطاع المادح . وأن لا يكون موت المادح المطري له ، أشد نكاية في قلبه من موت الذام وأن لا يكون غمه بمصيبة المادح وما يناله من أعدائه ، أكثر مما يكون بمصيبة الذام . وأن لا تكون زلة المادح ، أخف على قلبه وفي عينه من زلة الذام . فمهما خف الذام على قلبه كما خف المادح ، واستويا من كل وجه ، فقد نال هذه الرتبة . وما أبعد ذلك وما أشده على القلوب وأكثر العباد فرحهم بمدح الناس لهم مستبطن في قلوبهم وهم لا يشعرون . حيث لا يمتحنون أنفسهم بهذه العلامات . وربما شعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذام ، والشيطان يحسن له ذلك ويقول : الذام قد عصى الله بمذمتك ، والمادح قد أطاع الله بمدحك ، فكيف تسوى بينهما ! وإنما استثقالك للذام من الدين المحض . وهذا محض التلبيس . فإن العابد لو تفكر . علم أن في الناس من ارتكب من كبائر المعاصي أكثر مما ارتكب الذام في مذمته ثم إنه لا يستثقلهم ولا ينفر عنهم . ويعلم أن المادح الذي مدحه لا يخلو عن مذمة غيره ، ولا يجد في نفسه نفرة عنه بمذمة غيره كما يجد لمذمة نفسه . والمذمة من حيث إنها معصية لا تختلف بأن يكون هو المذموم أو غيره . فإذا العابد المغرور لنفسه يغضب ، ولهواه يمتعض ثم إن الشيطان يخيل إليه أنه من الدين حتى يعتل على الله بهواه ، فيزيده ذلك بعدا من الله .
ومن لم يطلع على مكايد الشيطان وآفات النفوس ، فأكثر عباداته تعب ضائع ، يفوت عليه الدنيا ، ويخسره في الآخرة وفيهم قال الله تعالى * ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) * « 1 »
الحالة الرابعة : وهي الصدق في العبادة ، أن يكره المدح ويمقت المادح ، إذ يعلم أنه فتنة عليه ، قاصمة للظهر ، مضرة له في الدين . ويحب الذام ، إذ يعلم أنه مهد إليه عيبه ، ومرشد له إلى مهمه ، ومهد إليه حسناته . فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « رأس التّواضع أن تكره أن تذكر بالبرّ والتّقوى » وقد روى في بعض الأخبار ما هو قاصم لظهور أمثالنا إن صح إذ روى أنه صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] قال « ويل للصّائم وويل للقائم وويل لصاحب
شرح
[ 1 ] حديث رأس التواضع ان يكره أن يذكر بالبر والتقوى : لم أجد له أصلا
[ 2 ] حديث ويل للصائم وويل للقائم وويل لصاحب الصوف - الحديث : لم أجده هكذا وذكر صاحب الفردوس من حديث أنس ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله ولم يخرجه ولده في مسنده
هامش
« 1 » الكهف : 103