تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
كل ذلك غموم عاجلة ، ومكدرة للذة الجاه ، فلا يفي في الدنيا مرجوها بمخوفها ، فضلا عما يفوت في الآخرة . فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة . وأما من نفذت بصيرته ، وقوى إيمانه ، فلا يلتفت إلى الدنيا . فهذا هو العلاج من حيث العلم وأما من حيث العمل : فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق ، بمباشرة أفعال يلام عليها ، حتى يسقط من أعين الخلق ، وتفارقه لذة القبول ، ويأنس بالخمول وبرد الخلق ، ويقنع بالقبول من الخالق . وهذا هو مذهب الملامتية ، إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ، ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس ، فيسلموا من آفة الجاه . وهذا غير جائز لمن يقتدى به ، فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين . وأما الذي لا يقتدى به ، فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك ، بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس ، كما روى أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد ، فلما علم بقربه منه ، استدعى طعاما وبقلا ، وأخذ يأكل بشره ، ويعظم اللقمة . فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف . فقال الزاهد . الحمد لله الذي صرفك عنى ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر ، حتى يظن به أنه يشرب الخمر ، فيسقط من أعين الناس . وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه . إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه ، مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه ، ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير كما فعل بعضهم ، فإنه عرف بالزهد ، وأقبل الناس عليه ، فدخل حماما ، ولبس ثياب غيره وخرج ، فوقف في الطريق حتى عرفوه ، فأخذوه وضربوه ، واستردوا منه الثياب ، وقالوا إنه طرار ، وهجروه . وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس ، والهجرة إلى موضع الخمول . فإن المعتزل في بيته . في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته . فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه ، وهو مغرور . وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها . ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه ، فذموه ، أو نسبوه إلى أمر غير لائق به ، جزعت نفسه وتألمت ، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك ، وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم . وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ، ولا يبالي به . وبه يتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة . ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال ، بل هو شر منه ، فإن فتنة الجاه أعظم ،
إحياء علوم الدين — صفحة 101 | الغزالي