تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
كونه مضطرا إلى ذكره نوع قهر واستيلاء عليه ، فلا جرم تكون لذته بقدر تمنع المادح وقوته ، فتكون لذة ثناء القوى الممتنع عن التواضع بالثناء أشد . فهذه الأسباب الأربعة قد تجمع في مدح مادح واحد ، فيعظم بها الالتذاذ . وقد تفترق ، فتنقص اللذة بها أما العلة الأولى ، وهي استشعار الكمال ، فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في قوله ، كما إذا مدح بأنه نسيب ، أو سخي ، أو عالم بعلم ، أو متورع عن المحظورات ، وهو يعلم من نفسه ضد ذلك ، فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال ، وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وبقية اللذات . فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله ، ويعلم خلوه عن هذه الصفة ، بطلب اللذة الثانية ، وهو استيلاؤه على قلبه ، وتبقى لذة الاستيلاء والحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناء . فإن لم يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللعب ، بطلت اللذات كلها ، فلم يكن فيه أصلا لذة لفوات الأسباب الثلاثة فهذا ما يكشف الغطاء عن علة التذاذ النفس بالمدح ، وتألمها بسبب الذم . وإنما ذكرنا ذلك ليعرف طريق العلاج لحب الجاه ، وحب المحمدة ، وخوف المذمة . فإن ما لا يعرف سببه ، لا يمكن معالجته . إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض . والله الموفق بكرمه ولطفه ، وصلَّى الله على كل عبد مصطفى

بيان علاج حب الجاه

اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه ، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق ، مشغوفا بالتودد إليهم ، والمرآة لأجلهم . ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد . ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات ، والمرآة بها ، وإلى اقتحام المحظورات ، للتوصل إلى اقتناص القلوب ، ولذلك شبه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حب الشرف والمال ، وإفسادهما للدين ، بذئبين ضاريين ، وقال عليه السّلام إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل ، إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس ، فيضطر إلى النفاق معهم ، وإلى التظاهر بخصال