لا يخلو عن لذة ، كثنائه عليه بأنه طويل القامة ، أبيض اللون . فإن هذا نوع كمال ، ولكن النفس تغفل عنه ، فتخلو عن لذته : فإذا استشعرته لم يخل حدوث الشعور عن حدوث لذة وإن كان ذلك الوصف مما يتطرق إليه الشك ، فاللذة فيه أعظم : كالثناء عليه بكمال العلم أو كمال الورع ، أو بالحسن المطلق ، فإن الإنسان ربما يكون شاكا في كمال حسنه ، وفي كمال علمه ، وكمال ورعه ، ويكون مشتاقا إلى زوال هذا الشك ، بأن يصير مستيقنا لكونه عديم النظير في هذه الأمور ، إذ تطمئن نفسه إليه . فإذا ذكره غيره ، أورث ذلك طمأنينة وثقة باستشعار ذلك الكمال ، فتعظم لذته وإنما تعظم اللذة بهذه العلة مهما صدر الثناء من بصير بهذه الصفات ، خبير بها ، لا يجازف في القول إلا عن تحقيق . وذلك كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه بالكياسة ، والذكاء ، وغزارة الفضل ، فإنه في غاية اللذة . وإن صدر ممن يجازف في الكلام ، أو لا يكون بصيرا بذلك الوصف ، ضعفت اللذة . وبهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكرهه ، لأنه يشعره بنقصان نفسه ، والنقصان ضد الكمال المحبوب ، فهو ممقوت والشعور به مؤلم . ولذلك يعظم الألم إذا صدر الذم من بصير موثوق به ، كما ذكرناه في المدح
السبب الثاني : أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح ، وأنه مريد له ، ومعتقد فيه ، ومسخر تحت مشيئته . وملك القلوب محبوب . والشعور بحصوله لذيذ . وبهذه العلة .
تعظم اللذة مهما صدر الثناء ممن تتسع قدرته ، وينتفع باقتناص قلبه ، كالملوك والأكابر .
ويضعف مهما كان المادح ممن لا يؤبه له ، ولا يقدر على شيء . فإن القدرة عليه بملك قلبه قدرة على أمر حقير ، فلا يدل المدح إلا على قدرة قاصرة وبهذه العلة أيضا يكره الذم ، ويتألم به القلب ، وإذا كان من الأكابر كانت نكايته أعظم ، لأن الفائت به أعظم
السبب الثالث : أن ثناء المثنى ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه .
لا سيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ، ويعتد بثنائه . وهذا مختص بثناء يقع على الملإ . فلا جرم كلما كان الجمع أكثر ، والمثنى أجدر بأن يلتفت إلى قوله ، كان المدح ألذ ، والذم أشد على النفس
السبب الرابع : أن المدح يدل على حشمة الممدوح ، واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء على الممدوح ، إما عن طوع ، وإما عن قهر ، فإن الحشمة أيضا لذيذة ، لما فيها من القهر والقدرة . وهذه اللذة تحصل وإن كان المادح لا يعتقد في الباطن ما مدح به ، ولكن
إحياء علوم الدين — صفحة 98
مساهمون: الغزالي
ص٩٨